الرئيسية / ثقافة وفنون / كتب : أشرف الجمّال: مواويل مسروقة بين جنة السر وجحيم البوح 

كتب : أشرف الجمّال: مواويل مسروقة بين جنة السر وجحيم البوح 

“مواويل مسروقة ” ذلك هو عنوان المجموعة القصصية التي كتبها القاص أحمد الطويلة والصادرة عن دار ( بتانة ) وهي تتضمن أكثر من خمس وخمسين قصة .. منها ” رباب – مخلاة خضراء – أرانب عطية – فاطمة بنت النبي – شجرة الخلد – طيف يشبهه – المخبول – أحمر ومكبب – وجه القمر “.

العنوان في قالب التقنية الأدبية يمثل أيقونة النص الأدبي ويعد علامة سيميائية كاشفة للمضمون  تشير إليه ولا تفصح بتفاصيله .. تختزن طاقته وسيرورته وتترك للقاريء حرية التقصي واجتياز مجاهل النص لاقتناص الدلالة .. كقاريء لتلك المجموعة تساءلت : لماذا اختار أحمد الطويلة هذا العنوان لمجموعته القصصية .. عن أي مواويل يحكي .. ومن أي الأماكن سرق مواويله ؟

نعم هي مواوويل مسروقة يقدمها لنا أحمد الطويلة في صور قصصية تتضافر وتتقاطع لتشكل الرؤية الفنية وطبيعة  تصورات الذات الكاتبة للعالم والناس والزمان والمكان .. مواويل مسروقة من الأرض والذكرى من الدروب الوعرة للذكريات .. من بين أعواد السنابل في الحقول وأحراش القرى وبخور الحضرات .. من رائحة الحكايا لعجائز القرية وأوراد الشيوخ ودموع السالكين ومناجاة العشاق .. من بطون المخطوطات وأغاني القرويين وسير المداحين .. لقد راهن الطويلة  -ككاتب يتمثل عدة ثقافات متنوعة الروافد – على الإنسان باعتباره حاضنا للزمن والمكان معا .. للتاريخ ماضيا وحاضرا ومستقبلا .. باعتباره الناسوت الذي هو تجلي لاهوت الوقت الفاعل فينا بسطوة الحضور والميلاد وحتمية الموت والفقد .. الإنسان هو الكاتب والكتاب والمكتوب ..

هذه خلاصة الروح السارية في نصوص المجموعة .. عبر فكرة تبادل الأدوار والتناسخ لإبراز المجرد في الملموس .. فتارة تجد الإنسان حلما وتارة عشقا وتارة فقدا .. ومرة ألما وأخرى مسرة وثالثة إيمانا ورابعة شكا وحيرة وسؤالا .. ويبدو أن الذات الكاتبة رغم غيابها كمحور للحكي لم تجد بدا عن تسريب كينونتها داخل شخوص المجموعة .. التي هي انعكاس للكاتب ذاته .. الطويلة الذي هو مزيج من الثقافة الأزهرية الأصولية والتصوف الرحب متجاوز الرؤى المعلبة والجاهزة .. المتمرد في تخطيه للبنى الجامدة لمفردات العالم .. طويلة الكاتب الذي يتقمص معجميته ويلتبس بها حتى كأنه ينحت لغته من روحه ودمه ووجعه وحنينه .. وطويلة المطرب الذي يعي قيمة المقام واللحن والإيقاع ..

إن العمل القصصي في مجمله يخضع لأدوات التقنية الأدبية التي تشكله .. وأول هذه الأدوات : الرؤية ؛ فالكاتب ينطلق من رؤية للعالم يغلب عليها الطابع الصوفي منطلقا من فهم قيمة الحب التي هي أصل الوجود وسبب الخلق ( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف) .. هذا الحب الذي يتجلى مفصحا عن ماهيته في علاقات مشتبكة .. الحب بين الرجل والمرأة .. بين الإنسان والمكان … بين الفرد والمجموع .. بين الفرد كمواضعة وجودية متزمنة في تشيؤها وبين التراث الممتد والطويل لذاكرة الروح .. يشكل الحب عالم الطويلة من مبتداه إلى منتهاه .. يسرّب روحه ويفيض بها على كل مَن وما حوله .. إذ تفترض قناعة الكاتب أن الله سر وغيهب لا يمكن شهوده إلا في الممكنات والأعيان .. وأن هذا السر يسري في كل المخلوقات .. لهذا تشعر كقاريء أن الذات الكاتبة لديها علاقة حميمة وشديدة الرهافة بالمكان وبالمخلوقات طيورا كانت أم حيوانات أم نباتات أم بشرا ‘ عليهم من لمسة الله ما يستثير حنين الكاتب وحنانه .. وشعوره بالألم والفقد عند حضور الموت أو التغير الذي يسلب الأشياء حقائقها وينزع أصالتها .. وتنعكس تلك الرؤية على اللغة التي تبدو في المجموعة كترانيم موغلة الشجن أو أوراد صوفية ملغومة بالوجد يتنازعها القبض والبسط  .. الحضور والفناء .. لغة تتجاوز نمطية دلالتها .. تحدث شروخا في جسد المعنى الكلاسي بجموده وجفافه وواقعيته وصولا إلى المحتمل والجائز والرمزي الذي يفتح باب التأويل .. وهي لغة شديدة الرصانة مضفورة بين الحداثة والتراثية فهي تستمد من الموروث قرآنا وشعرا وغناء لرغبة الذات الكاتبة اللاواعية في التواصل مع الذكرى .. الذكرى بتجلياتها .. كماضٍ ثقافي وقومي ينتمي إليه بات مشوها وقد أهيل عليه تراب النسيان ووئدت أصالته في مواجهة التغيير الذي التهم بلا رحمة وجه الزمان والمكان والشخوص والتفاصيل الحميمة التي تربطنا بمعاهد الصبا ومراتع الطفولة .. تخطفنا من حجور الأجداد والجدات وحكاياتهم الرءوم وتلقي بنا إلى المدن والبلاد التي تفغر أفواهها لابتلاع ضحاياها .. حيث التشابه المر والتماهي الذي يقتل الفردانية لصالح المجموع فتغيب التفاصيل ويكون التكاثر عوضا عن الحب .. والمال عوضا عن الإيمان بالذات وتحققها بإنسانيتها كمعيار لتقييم النجاح والفشل  .. كأنما الكاتب يبكي زمنا جميلة في وجوه شخوصه وملامحهم وشيخوخة الآباء وموت الأجداد .. يودع حبيبة في باطن هويته مستترة ومصونة قد خسرها كفارس جريح لم يمكنه أن يزود عنها في هزائم أبطال قصصه وشعورهم بالضآلة أمام الموت وطوفان الزمن الذي يلتهم كل شيء ولا يبقى فينا سوى رسوم نبكي على أطلالها أحبتنا.

ولا يغيب عن الكاتب أهمية حضور الزمن باعتباره مسافة روحية تتجلى حقائق الوجود عبر مراياها .. والزمن عند الطويلة مراوغ ومخادع .. له ظاهر وباطن.. يحتاج لذائقة يقظة لتقبض عليه .. فهناك زمن واقعي وحقيقي يجسد حركة الشخوص داخل الإطار القصصي .. وهناك زمن نفسي يتجاوز حقيقة الوقت يمتزج فيها الحاضر بالماضي والمستقبل .. كأنما الذات الكاتبة تستدعي ذاكرة وعيها من حقب بعيدة عاشتها الروح قبل أن تهبط من جنة التجريد إلى صلصال الجسد .. ثم يأتي زمن القص المتداخل بين نصوص المجموعة ككل بحيث يبدو خلاله أن كل قصة هي رهان زمني مستقل يشكل حلقة متصلة بزمن القصص الأخرى بحيث يمكنك أن تستشعر أن كل قصص المجموعة إنما هي حواديت تمثل طفولة الكاتب وصباه وشبابه صانعة في النهاية عمرا بأكمله .. إنها تقنية روائية تفجر نفسها باحتراف عن طريق التشظي في قالب القصة القصيرة .

إن النكهة الصوفية تطبع وعي الذات الكاتبة بالزمن .. الذي هو من وجهة نظرها فكرة برزخية يمكن من خلالها استدعاء العصور الفائتة تناسخا وتضمينا للراهن والمعيش .. فأحمد هو أبوه ذاته هو الجد الخامس هو آدم بقلبه وقالبه .. والحبيبة هي تجلي أمه إن لم تكن هي بالتناسخ .. وهي حواء ذاتها .. الزمن عند الطويلة لا معقولية له .. لأنه زمن الروح يسير باستقامته تارة .. بالمقلوب أخرى .. يصلبه كالحلاج افتتانا بالحقيقة ويطرده كإبليس جنوحا للتمرد .. وفي كلٍ تشعر أن الزمن الواقعي خارج معادلة الذات .. إذ أن لها زمنها الخاص تعيد تدويره وفق مقامات قربها وبعدها .. فقدها وإيجادها .. طهارتها واشتهائها .

أما المكان فإنه ينحت نفسه نحتا في سطور المجموعة بأسرها ؛ لأن المكان عند الطويلة ليس مجرد مسرح تتجلى فيه الأحداث وتكشف عن نفسها .. إنما هو ملاذ الذات الكاتبة للاحتماء من الشعور بالاغتراب وزوال القيمة والمظهرية المادية الكاذبة للمدنية المعاصرة التي قتلت الروح بأرستوقراطيتها الهندسية الفجة ومعقوليتها الجامدة .. لهذا شكلت القرية وموطن الميلاد واحة الحركة لمعظم القصص وشخوصها إن لم تكن كلها .. باعتبارها رمزا للأصالة وامتزاج المعقول بالمتخيل والمادي بما هو روحي إلهي يتصل به الإنسان بمدد السماء .. إنها ليست قرية كسائر القرى .. إنما هي قرية تطير وتحلم وترتدي خرقة الدراويش وتحكي الحواديت للصغار وتضفر جدائل العرائس اليتامى وتستر الغانيات ولا تتركهم فريسة للعراء وإدانة المجتمع .. قرية مؤنسنة تحب وتحن وتبكي في جنائز الراحلين .. وفي مواجهة ما هو مظهري ومادي يتشبث الطويلة بشخوصه المهمشين باعتبارهم القيمة الحقيقية لإنسانية الإنسان ومحل تجلي الماهية في براءتهها ونقائها كما خلقها الله دون تصنّع وكلفةِ الطبقات التي شوهتها المادة والتثاقف الزائف وباتت أرواحها أكثر خرابا وإن تعمّر ظاهرها .. فالأبطال عند الطويلة هم بائعة الجرجير ولص البط والدجاج .. مربي الأرانب .. ومداح الموالد .. العمة العجوز والجدة الطاعنة في النسيان .. الغانية التي ركلتها وصاية الكهنوت والمغني الفقير والمجذوب .. مقريء الكُتّاب والتلميذة ذات الضفيرتين وتفاح النهود الذي يشقشق تحت الشمس حُرا ‘ عفيفا وعفيّا .. لم تلوثه أدخنة المدن ورطانة الكتب .. أبطال الطويلة هم هؤلاء اليتامى الذين لا يلتفت إليهم أحد إلا من شابههم من المساكين على مائدة الله .

إن هذه الرؤية الزمكانية هي ما جعلت الذات الكاتبة تُنوّع باحترافية من مستويات التعبير القصصي .. فهو يستلهم الشعر الفصيح وآي القرآن والموال والأغنية الشعبية والفصحى الميسرة والعامية .. حوارا ووصفا وسردا على ألسنة شخوصه .. بما يناسب وعي كل منها وثقافته ومفاهيمه وطبيعة روحه وشخصيته .. فجاءت لغة القص ثرية تتأرجح بين التلميح والتصريح .. بين الرمزية والواقعية .. تأتيك كشفا صوفيا أحيانا بحيث يمكن أن يختزل طبيعة الشخصية في جملة واحدة شديدة التكثيف شديدة الغنى والثراء في الدلالة على الشخصية الناطقة بها أو المعبر عنها .. لقد ابتعد الكاتب عن الحشو والاستطراد والوصف الذي لا يراهن على تعميق الحالة وثراء وعي القاريء بالمكان أو الشخصية مظهرا وسلوكا .. إنها لغة مقتصدة موحية مراوغة تفتح باب التأويل .. تستوعب طاقة التخييل في كثير من مواضعها من خلال التشبيه والاستعارة .. والكناية الكاشفة في مواضع الجنس والاشتهاء بما يجعل الدلالة متوردة الوجنتين خجلة في خدرها .. لا يميل الكاتب للفضح وإنما للإشارة المحرضة على استدعاء التخيل واستبطان الجمالي في نفس القاريء .. نابعا من صوفية ينضح بها تؤمن أنه ( كلما اتسعت الإشارة ضاقت العبارة ) .. كأنما يعتذر الكاتب لقارئه أنه بعد كل ما حكى وروى وسرد ما كان له أن يسعفه المعجم أن يبوح بكل ما تكتنه الروح من حب وشوق وألم وحزن وصبابة وحنين .

يقول طويلة في قصة ( مخلاة خضراء ) :

” القلب قلبان ،

قلب أنت به ..

وقلب هو بك..

عجوز تمشي على عكاز… تُعلق في جيدها .. مِخلاة من قماش،، خضراء تشبه القطيفة ..لا تسأل الناس إلا المودة في القُربى..

لم تطالعني بشاشة كبشاشتها.. سمراء في جسد نحيل..

وقوس صغير يظهر في انحناءة ظهرها.. في كل صباح .. تحمل في يدها اليسرى قِربة ماء.. تدخل الجبانة ، تسقيهن مقبرة.. مقبرة..

تكلم الساكنين.. لكل جَرعة.. ولهما ما تبقي.. في طريق عودتها.. همك المحزون .. قلب القلب يا ولدي..

هل صادفته يوما.. يقولون إن ابن عبد الجبار لا تحويه مقبرة.

وما من أحد قد استدل عليه .. من أين تأتي العجوز البسيطة بعين الوصف.. وعين الموصوف ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *