رؤي ومقالات

السفير معصوم مرزوق يكتب :إستراتيجية الخروج من المحنة !

ربما سيكون من غير المناسب الإثقال علي من يهتم بقراءة هذا المقال ، أن أستطرد في استخدام منهج تاريخي يدعم ما سيلي ، ولكنني اكتفي بالإشارة إلي أن كل التحولات الحضارية الهائلة في تاريخ الأمم أعقبت فترات من الكوارث والحروب المدمرة ، ومن ذلك في التاريخ الحديث نسبيا ، حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) التي كان ضحاياها تقريبا ثلث سكان القارة الأوربية ، والتي انتهت بتوقيع صلح وستفاليا (Peace of Westphalia) عام 1648، حيث أسست لنظام دولي جديد يستند علي سيادة الدول .
وهو نفس ماحدث علي مشارف نهايات الحرب العالمية الأولي ، في مؤتمر فرساي الذي وضع أساس تنظيم عصبة الأمم وبناء نظام دولي مختلف بعد زوال الإمبراطورية العثمانية ، وتقسيم ممتلكاتها في الشرق الأوسط ، وإصدار وعد بلفور ..إلخ .
ثم تكرر ذلك علي مشارف نهايات الحرب العالمية الثانية حين اجتمع قادة الحلفاء المنتصرين في يالتا كي يضعوا جدول أعمال العالم ما بعد تلك الحرب المدمرة ، وترتب علي ذلك تأسيس نظام الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة ، وإنقسام العالم بشكل أو بآخر بين قطبين كبيرين ، وبداية الحرب الباردة .
إلا أن نهاية الحرب الباردة ( والتي اعتبرتها في كتاباتي الحرب العالمية الثالثة ) ، لم تشهد نفس الزخم في صياغة النظام الدولي الجديد حتي الآن ، ولا يزال ذلك النظام يشبه جنينا يتشكل ويستعصي علي الميلاد لأسباب قد نناقشها في مقال آخر .
ولكن الخلاصة هي أنه بعد كل كارثة إنسانية يمر بها العالم ، كانت تتواكب مع نهايته جهود نظرية لوضع جدول أعمال المستقبل ، بشكل يتفادي أسباب الكوارث الماضية ، ويسعي لوضع ملامح خطة طموحة متفائلة للمستقبل .
والآن ، إذا تأملنا لما حدث في منطقة الشرق الأوسط علي مدي يزيد علي نصف قرن ، وتفاقمه في السنوات الأخيرة بشكل خطير ، فأن ذلك يستدعي أهمية بحث وضع جدول أعمال لما بعد الأزمة يتضمن مهام عاجلة تبحث في الأساس وسائل دعم الجبهة الداخلية وحمايتها ليس أمنيا فقط بل وهو الأهم سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا ، وكذلك بذل الجهد لترميم أوضاع الإقليم من خلال ورش عمل متنوعة تناقش محاور أفقية ورأسية في العمل العربي ، ووضع خطة عمل قابلة للتنفيذ لإصلاح مؤسسات العمل العربي المشترك وتعديل ما يلزم من وثائقها التأسيسية .
تتضمن المهام العاجلة أيضا إعادة تعريف ، وتحديث للعلاقة بين سلطات الدولة ، وبينها وبين جمعية الشعب العمومية .
وعلي المدي الأبعد ( 5-10 أعوام ) ، السعي الحثيث لبناء نظام أمني إقليمي يحقق توازن القوي ، والردع الكافي لأي تهديدات لهذا النظام ، يشارك فيه أساسا الدول العربية القادرة والراغبة كمرحلة أولي ، ومعها الدول المفتاحية key countries غير العربية التي تتفق حول تحديد المخاطر ، ووسائل الردع.
وعلي نفس المدي يجب أن يحمل جدول الأعمال مهاما إقتصادية طموحة في التعاون والتكامل الإقليمي وتشجيع حركة الأموال والإستثمار ، والمصارف المتعددة الجنسية في إطار مصرف حاكم واحد للإشراف عليها وتوجيه أنشطتها .
كذلك – وعلي نفس المدي – بناء قاعدة مشتركة للبحث العلمي والتكنولوجيا ، تحقق اللحاق بما توصل إليه العالم ، وتطبيقاته في مجال الصناعة وصناعة السلاح علي وجه الخصوص .
علي نفس المدي ، يتم العمل علي المستوي الدولي لإرساء مبدأ خلق منطقة منزوعة من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ، وخضوع كل الأنشطة النووية في المنطقة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية .
وعلي مدي زمني أطول ( إلي منتصف هذا القرن 2050) يكون التخطيط الإستراتيجي لتحقيق السلام الشامل القائم علي العدل في كل إقليم الشرق الأوسط ، وتحقيق مجتمع العدل والرفاهية الذي يحقق السعادة لكل شعوب منطقة الشرق الأوسط .
قد يبدو ما تقدم ـ لمن لا يقرأ التاريخ – تهويما في أحلام اليقظة ، إلا أن تلك هي “الروشتة” المختصرة الموصوفة لكل مناطق العالم التي مرت بكوارث ومحن الحروب ، وتمكنت أن تضع إستراتيجية الخروج من بين اللهب إلي واقع أفضل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى