رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب : حين خرجت القوات المصرية من الظل إلى العلن: ماذا تخشى المنطقة فعلًا؟

هناك حالة استغراب حقيقية الآن داخل قطاعات من “الدولجية” وبعض المعارضين معًا، ليس بسبب وجود تعاون عسكري مصري–إماراتي بحد ذاته، فهذا قائم منذ سنوات، بل لأن ظهور قوات أو وحدات مصرية داخل الإمارات خرج فجأة من نطاق “التنسيق غير المعلن” إلى المشهد العلني المباشر.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المشهد.
لأن المفاجأة ليست في وجود التعاون… بل في قرار الإعلان عنه.
فالمتابع للصحافة العالمية والمصادر المفتوحة يلاحظ بسهولة أن الإمارات هذه المرة لم تتعامل مع الأمر كخبر بروتوكولي عابر، بل كرسالة سياسية وعسكرية مقصودة بعناية، عبر ظهور مشترك للرئيس المصري والرئيس الإماراتي أثناء تفقد وحدة مقاتلات مصرية متمركزة على الأراضي الإماراتية.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
إذا كان الأمر مجرد تدريب اعتيادي أو تنسيق دفاعي تقليدي… فلماذا الإعلان الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ ولمن تُرسل الرسالة أصلًا؟
اللافت أن كثيرًا من ردود الفعل المصرية جاءت عاطفية أكثر منها تحليلية.
جزء من “الدولجية” تعامل مع الصورة باعتبارها لحظة استعادة لـ“هيبة مصر الإقليمية”، وقرأ المشهد باعتباره دليلًا على أن الجيش المصري ما زال اللاعب العربي الأكبر القادر على الحضور خارج حدوده.
في المقابل، تعامل قطاع من المعارضين مع الأمر باعتباره “توريطًا لمصر” داخل ترتيبات خليجية غامضة، أو مقدمة لدفع الجيش المصري إلى صراعات لا تخصه مباشرة.
لكن المشكلة أن الطرفين تقريبًا ينظران إلى الحدث بمنطق الدعاية السياسية، لا بمنطق الجيوسياسة.
لأن ما يجري في الخليج منذ سنوات ليس مجرد تعاون عسكري عابر… بل إعادة تشكيل كاملة لفكرة “الأمن الإقليمي” نفسها.
الخليج اليوم يعيش مرحلة قلق استراتيجي حقيقي.
ليس لأن دوله فقيرة أو ضعيفة التسليح، بل لأن الحروب الحديثة غيّرت قواعد اللعبة بالكامل.
الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، وحروب الاستنزاف، والهجمات غير المتماثلة… كلها أدوات جعلت حتى أكثر المدن تحصينًا عرضة للارتباك في ساعات قليلة.
وهنا تدرك الإمارات — مثل بقية دول الخليج — أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع “عمقًا استراتيجيًا”.
يمكن شراء أحدث المقاتلات والمنظومات الدفاعية… لكن لا يمكن شراء “الكتلة البشرية العسكرية” بنفس السهولة.
وهذا تحديدًا ما تملكه مصر.
قد تكون مصر غارقة اقتصاديًا، نعم. وقد تواجه أزمات داخلية ثقيلة، نعم. لكنها ما زالت تمتلك شيئًا تفتقده معظم دول الخليج: جيش ضخم، خبرة مؤسساتية طويلة، وكتلة بشرية عسكرية قادرة على الاستمرار في أي صراع ممتد.
ومن هنا يصبح التقارب العسكري المصري–الخليجي مفهومًا تمامًا، سواء اتفقنا معه سياسيًا أم لا.
المثير أيضًا أن الصحافة الغربية والإسرائيلية لم تتعامل مع المشهد باعتباره “زيارة عادية”، بل ربطته مباشرة بحالة التصعيد الإقليمي الأخيرة، خصوصًا مع إيران، وبحالة التآكل التدريجي لفكرة “الحماية الأمريكية المطلقة”.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم.
المنطقة كلها بدأت تدرك أن أمريكا لم تعد تدير الشرق الأوسط بنفس الطريقة القديمة.
ليس معنى ذلك أنها انسحبت… لكن معنى ذلك أن الحلفاء الإقليميين لم يعودوا واثقين أن واشنطن ستخوض كل المعارك عنهم كما في السابق.
وهذا يفسر لماذا بدأت تظهر بوضوح أكبر:
ترتيبات أمنية عربية مباشرة.
تدريبات وتحالفات معلنة.
إعادة توزيع للأدوار العسكرية.
ورسائل ردع يتم إظهارها علنًا لا سرًا.
لذلك أظن أن بعض الناس يخطئون حين يركزون فقط على سؤال: “لماذا توجد قوات مصرية في الإمارات؟”
بينما السؤال الأخطر والأعمق هو: “ما الذي تخشاه المنطقة حتى قررت أن تُظهر ذلك علنًا الآن؟”
فالأنظمة لا تكشف كل ما تفعله. لكنها حين تختار أن تكشف شيئًا، فغالبًا لأنها تريد أن يراه الآخرون.
ولهذا أعتقد أن أهم ما في المشهد ليس وجود القوات المصرية نفسه… بل انتقال هذا الوجود من “الظل” إلى “الرسالة”.
وهنا تحديدًا نفهم الارتباك الحالي.
الدولجي رأى “هيبة”. والمعارض رأى “ارتهانًا”. بينما الواقع على الأرجح أكثر تعقيدًا من الروايتين معًا.
ما يحدث ليس استعراضًا فقط… ولا مؤامرة كاملة بالضرورة.
بل إعادة تموضع إقليمي واسعة، تُبنى فيها تحالفات أمنية أكثر مباشرة وأقل خفاءً، في منطقة تشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة أن الحروب قد تصبح أقرب مما تتخيل.
وفي عالم كهذا… لا تتحرك الدول بالشعارات. بل بالخوف، والمصالح، وموازين القوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى