رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب :من متخصص: ما حقيقة مرض أم كلثوم.. وسر معاناتها؟

أحببت من خلال تخصصي في الغدد الصماء والسكر، وكعاشق لفن بلدياتي كوكب الشرق أم كلثوم، أن أوضح -طبيًا- السر الكامن في السبب الحقيقي لمعاناتها نتيجة مرضها. ففي قمة تألقها، وقبل أن تكمل عامها الخمسين، لاحظت أم كلثوم تغيرًا كبيرًا في شكل وجهها. كان التغير تدريجيًّا، ويزداد معه توتر أعصابها الشديد، وعرقها، وسرعة ضربات قلبها، وأرقها المستمر. كان صوتها قد وصل إلى قمة نضجه، وكان رواد فنها مازالوا سكارى من رنين صوتها الذي لم يُسمع مثيله من قبل، ولكنها كانت تعود إلى بيتها وتنظر في المرآة ككل أنثى وتبكي وحدها وهي ترى جحوظ عينيها الحالمتين الجميلتين والذي يزداد يومًا بعد يوم. عرفت آنذاك أنها أصيبت بمرض تضخم الغدة الدرقية المناعي، المسمى “مرض جرافز”Graves’ Disease ؛ نسبة الى أول من وصفه، وهو الطبيب الأيرلندي روبرت جرافز عام ١٨٣٥. وهذا المرض نسبة حدوثه ضئيلة، ولا تتعدي ١٪؜، ولكن معدل حدوثه في النساء ٥ أضعاف معدل حدوثه في الرجال، لكنه في مصر اختار أم كلثوم من بين الملايين من النساء ليبتليها ابتلاءًا شديدًا في قمة ابداعها الفني. وهذا المرض لا يسبب فقط زيادة في نشاط الغدة الدرقية الذي من أعراضه تضخم الغدة الملحوظ في مقدمة الرقبة، و العرق الشديد، والتوتر، والأرق، والإرهاق، ونقص الوزن، ولكنه يتسبب أيضًا في جحوظ العينين كما في صورتها السفلى، بالمقارنة بصورتها قبل المرض بعامين.
ذهبت أم كلثوم إلى لندن للعلاج عام ١٩٤٨، وأمكن السيطرة على نشاط الهرمون الزائد بالأدوية، فقلت الأعراض بصورة كبيرة، واقترح عليها الأطباء استئصال الغدة الدرقية لتقليل حجمها، وربما تكون فرصتها للتخلي التام عن العلاج بالأدوية ذات الأعراض الجانبية الخطيرة، ولكن الجراحة كانت محفوفة بخطر احتمال قطع العصب الحائر vagus nerve الذي يغذى الحنجرة والأحبال الصوتية، مما قد يمنعها من الغناء تمامًا، ويحرم جمهورها من صوتها المغرد. تصور وقع ذلك عليها؟ ومع أن نسبة حدوث هذه المضاعفة الجراحية أقل بكثير من ١٪؜، فإن أم كلثوم قررت عدم المجازفة، حتى لا تحرم جمهورها الكبير من فنها الذي هو ملك لهم، وكان هو نفسه رأي بعض الأطباء والجراحين هناك، خاصة بعد استجابتها للعلاج بالأدوية التي تثبط هرمون الغدة الدرقية. عادت أم كلثوم وقد تحسنت معنوياتها إلى حد ما، وبدأت تلبس نظارة سوداء في حياتها اليومية، ما عدا على المسرح، أقامت نقابة الموسيقيين حفلًا مهيبًا لها ألقى فيه العقاد، وعزيز أباظة، ورامي، وإبراهيم ناجي، وبيرم التونسي الشعر الذي يبارك عودتها المحمودة إلى جمهورها، والذي جلست فيه الى جانب حبيبها شريف باشا صبرى الذي كان الجميع ينتظر خبر زواجها منه.
لكن خلال السنوات الخمس التالية، فشل مشروع زواجها لأسباب خارجة عن رغبه الحبيبين، والذي صدمها صدمة كبيرة في كبرائها، وبدأت صحتها بالتدهور مرة ثانية من جراء مرضها، وزاد جحوظ عينيها، وعاودت الغدة نشاطها الزائد، وبدأت كوكب الشرق تشعر بالإرهاق الشديد، وآلام مبرحة في كل جسدها، لدرجة قررت فيها أن تقبل أي علاج، ولو كان الجراحة، وقالت آنذاك إن الأعمار بيد الله. نصحها طبيبها الخاص وصديقها الدكتور حسن الحفناوي -الذي أصبح زوجها فيما بعد- وكذلك أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأصدقاؤها، بالسفر إلى الولايات المتحدة للعلاج تلبية لدعوة مستشفى البحرية الأمريكية، الذي سافرت إليه عام ١٩٥٣، وأرسلت القيادة أنور السادات ليودعها على سلم الطائرة. قرر الأطباء هناك علاجها باليود المشع، وهو الطريقة المحببة للعلاج في الولايات المتحدة حتى الآن لمعظم حالات زيادة نشاط الغدة الدرقية، ولكنه رغم فاعليته الكبيرة في العلاج النهائي لزيادة الهرمون فإنه لا يحسّن جحوظ العينين، الذي قد يحتاج إلى العلاج بمركبات الكورتيزون، وهو ما حدث، فتحسنت إلى حد ما حالة عينيها، ولكن الجحوظ لم يختفِ نهائيًّا؛ لذلك ظلت ترتدي النظارة السوداء بقية عمرها.
عادت أم كلثوم فرحة بنجاح علاجها وزوال آلامها لتفاجأ بألم جديد وهو وفاة شقيقها الحبيب خالد وهي في الولايات المتحدة. خبأ الجميع عنها خبر وفاته وهى هناك بناءًا على نصيحة الأطباء حتى لا تتدهور حالتها النفسية، وتتخذ قرارًا تندم عليه لاحقًا بوقف فرصة العلاج. للحقيقة، كانت معاناة أم كلثوم كأمرأة أكبر مما قد يتصور إنسان؛ لذا وافقت في العام التالي ١٩٥٤ على طلب طبيبها الزواج منها رغم فارق السن، ولكن اشترطت عليه أن يأخذ موافقة زوجته صراحة على هذا الزواج الثاني، لتجد معه كإمرأة رفيقًا لها، وطبيبًا أمينًا عليها، وناصحًا لها بعد أن كان متيمًا بصوتها، ليقفز من الصفوف الأولى لحفلاتها إلى الكرسي الوحيد في قلبها. هذه هى حقيقة مرضها والسر الكبير لمعاناتها كإمرأة جميلة أحبت فنها وأعطته كل حياتها بمعنى الكلمة رغم كل معاناتها الصحية والنفسية، وهو الجانب الإنساني الذي لا يعرفه عشاق فنها. حقًّا، من المعاناة يولد الفن الأصيل. رحم الله هذه الفنانة العظيمة الذي حاول البعض، عن جهل أو عمد، تشويه صورتها عند جيل لم يراها أو يعرف حقيقة معاناتها وسر نجاحها وحبنا لها ولفنها الأصيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى