غير مصنف

إنْ كُنْتَ تَرَانِي حَرِّرْنِي.. بقلم: هنادي الوزير

إنْ كُنْتَ تَرَانِي حَرِّرْنِي..

أنا في مفترق طرق، أواجه أعتى حروبي قسوة، وفيَّ من أمل بالنجاة ما يجعلني أحارب دون دروع، وبلا أقنعة.
أكشف الغطاء عن أصل الشرور والملائكية داخلي، أهاود شياطيني كي تعتقني،
وأهدّهد الملائكة البيض، وأتوسل إليهم، كي يسمحوا لي بأن أرافقهم في الرحلة القادمة.
أنظر خلفي لأتفقّد كل نسخة قديمة مني، انسَلخت عنها كيرقة أكلت شرنقتها، لأكون بمثل ما باتت عليه حقيقتي،
فراشة تتنقّل في الكون دون وطن يأويها، تبحث عن المأوى فيها، كي تخلق قانونًا أن المأوى هو نحن،
أوطاننا تكمن فينا، نحن بلادنا، فإن اغتربت أرواحنا
ضعنا عن أصل الوطن.
أتحسّس نفسي كأني أتأكد من وجودها، لا مرآة تقنعني، ولا اسم يليق بي،
أنا فكرة تاهت عن منبعها، وصوت يتساءل:
هل أنا ما أشعر به، أم ما أُجبرت عليه؟
أحمل نفسي كعبء، وأربّت على روحي كأني غريبة عنها، أجرّدها من كل ما قيل أنها إيّاه…
العاهرة.. المتمردة.. الناشز.. وكل ما نُعت به من الجمال إلى القبح والتشوه.
وأتركها عارية أمام سؤالي الأكبر: من أكون إن لم أخف، وأشعر، وأدنّس، وأتطهر؟

في العتمة.. أكتشف أن الخوف ليس عدوي،
بل دليلي الأول إلى حقيقتي، وأن الألم لا يطعنني، بل يكشفني، ينزع عني وهم الطمأنينة، ويجبرني على أن أراني كما أنا، بلا تبرير، بلا قداسة.
أتأرجّح بين رغبتي في الذوبان، وحاجتي المرعبة إلى التفرد والتمرد والغوص في الحقيقة، بين أن أكون جزءًا، وأن أكون كلًّا؛ فأخسر الاثنين معًا.
لم أعد أبحث عن الأمان في البشر، فكل يد تتعبني، تستهلك قواي حين تشدّني إليها!!
ولم أعد أؤمن بالملاذات الجاهزة، فكل مأوى بُني خارجي واعتقدت أنه الوطن انهار في أول عاصفة.

أحاكم نفسي.. لا قاضي غيري، ولا شاهد سوى ذاكرتي، أجلس أمامي كجانِيَة وقاضٍ في آن واحد، أعرف كل التهم، وأتقن لغة التبرير، ثم أكره نفسي لأني أصدقها.
أعترف: ليس كل ما فيَّ نبيلًا، وليس كل ما كسرني ظالمًا..
أحمل في داخلي شهوة الانهيار بقدر رغبتي في النجاة، وأتلذذ أحيانًا بأن أبقى في الجرح، والتيه، لأن الشفاء يعني أن أتغير، وأنا أخاف التغير أكثر مما أخاف الألم الذي عهدته وتأصل فيَّ.
أراقب نفسي وهي تخرب فرصها، ترفض ما ينقذها، وتشتهي ما يهلكها، كأنني أعاقبها لجرم لا أتذكره، أو لذنب ورثته ولم أرتكبه.
أتشبث بالشعور بالذنب كأنه آخر خيط يربطني بإنسانيتي، فلو برئت منه تمامًا لصرت فارغة، ولو غُفر لي لما عرفت من أكون.

أردت أن أُحب دون أن أُكشف، أن أُرى دون أن أُفتضح، أن أُقبّل في حقيقتي التي أخفيها،
وهذا التناقض هو جحيمي.
أخاف من الأمان لأنه يسحب مني حق الشكوى،
ويفضح أنني كنت أحيانًا أختار العذاب
لأشعر أن وجودي له ثمن.
لست ضحية، ولا جلادة..
“أنا المسافة المرتبكة بينهما”
أنا الاعتراف الذي لا يبتغي غفرانًا، بل فهمًا، وإذا كان للوجود خلاص، فلعله في صدقي القاسي..

أن أنظر إلى قبحي ولا أشيح بوجهي.
أواجه القدر كمن يرفع عينيه في قاعة محاكمة خالية، لا أرى القاضي، ولكني أشعر بثقل نظرته، أسأله دون صوت:
هل كنت خيارًا أم صيغة مسبقة؟هل أنا سبب خطاياي أم كانت مندسّة في طيني الأول حين خُلقت؟
أعاتب الرب وأدافع عنه في آن واحد، أغضب لأن صمته كان قاسيًا وبدا لي الأبد!!
أخاف أن يرد، فالصمت يترك لي وهم حرية أنه سيغفر لي كل أفكاري وزلّاتي، والإجابة قد تسلبني آخر سبب لتبرئة نفسي.
أعود إلى الطفلة التي كنتها، قبل أن أعرف كيف يُتقن الذنب، وكيف تكون الخطيئة.
وكان ذنبي الأول أني شعرت أكثر مما يجب، أني رغبت دون أن أعرف كيف أهرب من لذة الرغبة وجحيمها..
في بداية وجودي؛ كبر جموحي قبل أن أعي أنه سيكون جحيمي.
أراقب نفسي وهي تشتعل كمن يقف أمام النار ويمنع جسده من الاقتراب.
أشتهي، وأعرف اشتهائي، وأراقبه يمر في دمي دون أن أحرره، فأكون سجّانة نفسي، أعاقبها، وأترك جسدي يتألم في صمت.
ولا أعرف أينا أقسى؟؟

أن أحررني وأدفع الثمن، أم أن أقتل الرغبة، ولا أمنحها مصيرًا؟
أعاقب نفسي بانقسامي، كمن يفني نفسه ببطء، رغم أن قفزة واحدة قد تنجيني.
أموت..
وأمثل أمام الرب وأوجه له سؤالي الأخير: هل خلقتني لأراقب الحياة؛ أم لأعيشها؟
وإن كان في ذاتي كل هذا التناقض، فهل هي لعنة أطلقتها في دمي؟
حررني؛ إن كنت تراني..
حررني.

بوابات_صوفيا
Hanadi_Alwazeer

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى