د. حسن العاصي يكتب:الكاتب العربي بين التهميش وجشع دور النشر: الإبداع بمنطق السوق

في المشهد الثقافي العربي، تتجلى أزمة عميقة تكاد تكون مزمنة: أزمة الكتّاب وعلاقتهم بدور النشر. فبينما يكدّ المبدعون في صياغة نصوصهم، ويجتهدون في تقديم رؤى جديدة وأساليب مبتكرة، يجد كثير منهم أنفسهم أمام جدار صلب من اللامبالاة أو الحسابات التجارية البحتة. إن دور النشر، التي يُفترض أن تكون جسورًا بين الإبداع والقراء، تحولت في معظمها إلى مؤسسات ربحية لا ترى في الكتاب سوى سلعة قابلة للتسويق، تُقاس قيمتها بعدد النسخ المباعة لا بعمق الفكرة أو أصالة التجربة.
هذه الأزمة ليست مجرد خلاف مالي أو إداري، بل هي انعكاس لخلل بنيوي في الثقافة العربية المعاصرة، حيث يغيب المشروع الثقافي الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق. الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه في مواجهة واقع قاسٍ: نصوصه قد تُهمّش أو تُرفض لأنها لا تضمن الربح السريع، بينما تُفتح الأبواب واسعة أمام كتب سطحية أو تجارية تفتقر إلى القيمة الفكرية.
إن العلاقة المتوترة بين الكاتب ودور النشر تكشف عن أزمة أعمق من مجرد عقود أو نسب أرباح؛ إنها أزمة هوية ثقافية، حيث يُترك الإبداع بلا حاضنة، ويُختزل دور النشر في وظيفة تسويقية باردة، بعيدًا عن رسالتها الأصلية كحاضنة للفكر ورافعة للوعي. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الكتاب العربي: هل سيظل أسيرًا لقيود السوق، أم سيجد طريقًا جديدًا يضمن له مكانته كأداة للتنوير والتغيير؟
واقع دور النشر العربية وتحولها إلى مؤسسات تجارية بحتة
في قلب الأزمة الثقافية العربية، تقف دور النشر بوصفها الحلقة الأكثر تأثيرًا في مسار الكتاب، لكنها في الوقت ذاته الحلقة الأكثر إثارة للجدل. فبدلًا من أن تكون مؤسسات تحمل رسالة معرفية وتنهض بدور ريادي في رعاية الإبداع، تحولت في معظمها إلى شركات تجارية لا ترى في الكتاب سوى سلعة تُقاس قيمتها بميزان الربح والخسارة. لقد فقدت كثير من هذه الدور البوصلة الثقافية، وأصبح معيارها الأول هو حجم المبيعات لا نوعية الأفكار، وانتشرت عقلية السوق التي تُقصي النصوص الجادة وتُفسح المجال أمام الأعمال السطحية أو تلك التي تضمن رواجًا سريعًا.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية جعلت الثقافة في الهامش، وأضعفت مكانة الكتاب في الوعي الجمعي. فبينما يُفترض أن تكون دور النشر حاضنة للفكر، ورافعة للوعي، ووسيطًا بين الكاتب والقارئ، نجدها اليوم تُمارس دور الوسيط التجاري البارد، تُفاوض الكاتب على نسب الأرباح، وتُحمله تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم تتركه يواجه مصيره في سوقٍ لا يرحم.
إن هذا الواقع يُنتج مفارقة مؤلمة: الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه بلا سند، بينما تتحول دور النشر إلى مؤسسات تُدار بعقلية المقاولات، لا بعقلية الرسالة. وهكذا، يصبح الإبداع رهينة حسابات مالية ضيقة، ويُختزل الكتاب في مجرد منتج استهلاكي، في حين يُهمّش دوره كأداة للتنوير والتغيير.
هذه الصورة القاتمة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للثقافة أن تزدهر في ظل مؤسسات لا تحمل أي مشروع فكري، بل تكتفي بمطاردة الربح؟ أم أن على الكتاب العرب البحث عن بدائل جديدة، خارج الإطار التقليدي لدور النشر، لضمان وصول أصواتهم إلى القارئ؟
معاناة الكاتب العربي بين التهميش والبحث عن الاعتراف
الكاتب العربي اليوم يعيش مأساة مزدوجة: مأساة الإبداع الذي لا يجد من يتبناه، ومأساة السوق الذي لا يعترف إلا بما يدرّ الربح السريع. فبينما يكتب الكاتب نصوصه بعرق الروح، ويصوغ أفكاره كمن ينحت في الصخر، يجد نفسه أمام أبواب مغلقة، أو أمام عقود مجحفة تُفرغ الكتاب من قيمته وتحوله إلى مجرد سلعة. إن كثيرًا من دور النشر لا ترى في الكاتب شريكًا، بل زبونًا يُدفع إلى تحمل تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم يُترك وحيدًا في مواجهة سوق لا يرحم، بلا دعم إعلامي أو تسويقي حقيقي.
هذه المعاناة ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي جرح عميق في جسد الثقافة العربية. الكاتب الذي يُفترض أن يكون ضمير الأمة، يجد نفسه مهمشًا، يُعاني من عزلة قاسية، ويُدفع أحيانًا إلى التوقف عن الكتابة أو البحث عن منافذ بديلة خارج وطنه. إن غياب الدعم المؤسسي، سواء من دور النشر أو من المؤسسات الثقافية الرسمية، جعل الكتاب العربي يعيش حالة من الاغتراب داخل مجتمعه، وكأن الإبداع أصبح عبئًا لا قيمة له في زمن تُقاس فيه الأشياء بمردودها المالي لا بعمقها الفكري.
ولعل الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من الأصوات المبدعة تُدفن قبل أن ترى النور، لأن دور النشر لا تملك الجرأة على تبني نصوص لا تضمن لها مبيعات واسعة. وهكذا، يُقصى الأدب الجاد، وتُهمّش الكتابات الفكرية العميقة، بينما تُفتح الأبواب أمام نصوص سطحية أو تجارية تُرضي السوق ولا تُضيف شيئًا إلى الوعي الجمعي. إن الكاتب العربي، في ظل هذا الواقع، يُشبه من يصرخ في صحراء بلا صدى، يبحث عن الاعتراف، عن قارئ يلتقط صوته، وعن مؤسسة تؤمن بأن الكتاب ليس مجرد سلعة، بل رسالة.
هذه الأزمة تُعيدنا إلى سؤال جوهري: كيف يمكن للكاتب أن يستمر في الإبداع إذا كان محاصرًا بين تهميش المؤسسات الثقافية وجشع دور النشر؟ وكيف يمكن للثقافة العربية أن تنهض إذا كان صوتها الأصيل يُقصى لصالح نصوص تجارية لا تحمل أي مشروع فكري؟ إن معاناة الكاتب العربي ليست شأنًا فرديًا، بل هي قضية وجودية تخص مستقبل الثقافة العربية بأسره، لأنها تُحدد ما إذا كان الإبداع سيظل حيًا، أم سيُدفن تحت ركام السوق والربح السريع.
انعكاسات الأزمة على المشهد الثقافي العربي ومستقبل الكتابة والإبداع
إن أزمة العلاقة بين الكتّاب العرب ودور النشر لا تتوقف عند حدود العقود والتوزيع؛ إنها تضرب قلب الثقافة العربية وتعيد تشكيل المشهد برمته. حين تُهيمن عقلية الربح على صناعة الكتاب، يتراجع الاستثمار في المشاريع الفكرية طويلة النفس، ويُستبدل البناء الثقافي المتراكم بإنتاج سريع يلهث وراء الترند. النتيجة هي فضاء عام مُشوَّش، تُسيطر عليه كتب خفيفة وعناوين براقة، بينما تُهمَّش النصوص الجادة التي تُزعج بنقدها وتُحرّك المياه الراكدة بأسئلتها. هكذا يتكوّن وعي جمعي هش، يُطهَّر من القلق المعرفي، ويُغذَّى بمنتجات ثقافية مريحة لا تُربك، ولا تُفتح أفقًا جديدًا.
هذا الانحراف يُنتج سلسلة آثار متراكبة:
ـ تجفيف منابع التنوع الأدبي والفكري: إذ يختفي الصوت المختلف لصالح القوالب السهلة القابلة للتسويق، فتفقد الثقافة إحدى أهم وظائفها: التعدد والجدل.
ـ تآكل الثقة بين الكاتب والقارئ: حين يرى القارئ أن الساحة تتخم بأعمال متوسطة أو رديئة، يتراجع إيمانه بجدوى القراءة، ويصبح عزوفه خيارًا منطقيًا، فتضعف سوق الكتاب أكثر، وتستحكم الحلقة المفرغة.
ـ هجرة العقول إلى منصات خارجية: يبحث الكتاب الجادون عن منافذ للنشر خارج المنطقة أو عبر اللغات الأجنبية، فتخسر الثقافة العربية أصواتها القوية، ويتعمق شعور الانفصال بين المبدع والجمهور المحلي.
ـ تراجع الدور التنويري للمؤسسات الثقافية: تتحول الجوائز، المعارض، والملاحق الثقافية إلى مشهد استعراضي تسويقي، يغيب عنه التقويم النقدي الصارم، وتُستبدل المعايير الفكرية بمعايير القابلية للانتشار.
لكن وسط هذا المشهد القاتم، توجد فرص لإعادة البناء إن وُجدت الإرادة:
ـ نماذج نشر بديلة يقودها الكتاب: منصات مستقلة، تعاونيات نشر، وتمويل جماعي يضع الكاتب في مركز القرار ويمنح النص فرصة الوصول دون ابتزاز تجاري.
ـ محررون ونقاد كقوة موازنة: استعادة دور التحرير الجاد والتقويم النقدي يرفع جودة النصوص ويخلق حوارًا معرفيًا يربط الكتاب بالقارئ على أسس الفكرة لا ضجيج السوق.
ـ مكتبات عامة وبرامج قراءة وطنية: حين تتحول الدولة والمجتمع المدني إلى حاضنة للقراءة، تتسع قاعدة القراء، فيخف الضغط التجاري عن دور النشر، وتُفتح نافذة للنصوص ذات القيمة العالية.
ـ تحالفات بين الجامعات ودور النشر المستقلة: مشاريع بحثية–نشرية تتبنى إنتاجًا نوعيًا في مجالات الفلسفة، العلوم الإنسانية، السرد التجريبي، وتوفر مسارات توزيع ورقية ورقمية خارج منطق الربح القصير.
في الجوهر، الأزمة الراهنة تُحتم علينا إعادة تعريف وظيفة الكتاب في حياتنا: ليس مجرد منتج يُباع، بل فعل مقاومة معرفية يزعزع السائد ويقترح احتمالات جديدة للمعنى. إن مستقبل الكتابة العربية يتوقف على قدرتنا في بناء بيئة ثقافية تُكافئ الجرأة الفكرية، وتربط الإبداع بكرامة الكاتب وذكاء القارئ. ولن يتحقق ذلك إلا بتحويل العلاقة بين الكاتب ودور النشر من صفقة تجارية إلى شراكة رسالية، تُقاس بالأسئلة التي تطرحها الكتب وبالتحولات التي تصنعها في وعي الناس، لا بأرقام المبيعات وحدها.
خارطة حلول عملية لإعادة بناء العلاقة بين الكاتب ودور النشر
إن تجاوز الأزمة الراهنة لا يمكن أن يتم عبر النقد وحده، بل يحتاج إلى تصور عملي يعيد الاعتبار للكتاب العربي ويمنح دور النشر فرصة لاستعادة رسالتها الثقافية. فالمشهد الحالي، الذي تحكمه عقلية السوق، يمكن أن يُعاد تشكيله إذا ما توفرت إرادة جماعية من الكتّاب، ودور النشر، والمؤسسات الثقافية، والدولة، والقارئ نفسه.
أولاًـ بدائل نشر مستقلة يقودها الكتّاب: مثل إنشاء منصات نشر رقمية وتعاونية، حيث يتشارك الكتّاب في إدارة عملية النشر والتوزيع بعيدًا عن هيمنة الدور التجارية. وكذلك اعتماد نماذج التمويل الجماعي (Crowdfunding) التي تسمح للقارئ بأن يكون شريكًا في إنتاج الكتاب، مما يعزز العلاقة بين الكاتب وجمهوره. وتأسيس اتحادات أو جمعيات للكتّاب تتولى التفاوض الجماعي مع دور النشر، وتضع معايير عادلة للعقود والحقوق الفكرية.
ثانياًـ إصلاح دور النشر نفسها: إعادة تعريف وظيفة الناشر من مجرد وسيط تجاري إلى شريك ثقافي، عبر تبني مشاريع طويلة الأمد تقوم على الجودة الفكرية لا على الربح السريع. وتخصيص أقسام تحرير وتقييم نقدي داخل الدور، تضمن فرز النصوص الجادة وتقديم الدعم التحريري للكتاب الشباب. وبناء شبكات توزيع أكثر عدالة، تتيح للكتب الجادة الوصول إلى القراء في مختلف المدن والقرى، بدلًا من تركيزها في معارض محدودة أو مكتبات نخبوية.
ثالثاً ـ دور الدولة والمؤسسات الثقافية: إطلاق برامج دعم مباشر للكتاب الجادين، عبر صناديق تمويل للنشر أو منح للإبداع، تُدار بشفافية وتُمنح وفق معايير فكرية لا سياسية. وتعزيز المكتبات العامة والجامعية لتكون منصات توزيع حقيقية للكتاب العربي، مما يخفف الضغط التجاري عن دور النشر. وتنظيم معارض كتاب وطنية وإقليمية تُعطي الأولوية للأعمال الفكرية والأدبية العميقة، بدلًا من تحويلها إلى مهرجانات تسويقية.
رابعاًـ القارئ كفاعل أساسي: نشر ثقافة القراءة الواعية التي تُميز بين الكتاب التجاري والكتاب الجاد، وتُكافئ الكاتب الذي يغامر بفكر جديد. ودعم المبادرات المجتمعية مثل نوادي القراءة، والمراجعات النقدية على المنصات الرقمية، لتوسيع قاعدة القراء وتوجيه السوق نحو الجودة.
إن الحل لا يكمن في إقصاء دور النشر، بل في إعادة صياغة العلاقة بينها وبين الكاتب على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري. الكاتب يحتاج إلى مؤسسة تؤمن برسالته، والناشر يحتاج إلى نصوص تُضيف قيمة إلى الثقافة، والدولة والمجتمع بحاجة إلى بيئة تُكافئ الإبداع وتُعيد للكتاب مكانته كأداة للتنوير والتغيير. إن خارطة الحلول هذه ليست مجرد اقتراحات نظرية، بل هي دعوة إلى ثورة ثقافية هادئة، تُعيد الاعتبار للكتاب العربي وتضعه في موقعه الطبيعي: قلب الوعي الجمعي وذاكرة الأمة.
الكتاب العربي بين قيود السوق وضرورة الثورة الثقافية
إن أزمة الكتاب العربي وعلاقتهم بدور النشر ليست مجرد إشكال إداري أو خلاف مالي، بل هي أزمة هوية ثقافية تهدد مكانة الإبداع في الوعي الجمعي. حين يتحول الكتاب إلى سلعة بلا رسالة، وحين تُدار دور النشر بعقلية المقاولات لا بعقلية الحاضنة الفكرية، فإننا أمام خطر حقيقي يتمثل في تهميش العقول المبدعة ودفن النصوص الجادة قبل أن ترى النور. هذه الأزمة تكشف عن خلل عميق في البنية الثقافية العربية، حيث يغيب المشروع التنويري الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق السريع.
لكن في المقابل، فإن هذه الأزمة تحمل في طياتها فرصة لإعادة البناء. فالإبداع لا يموت، والكاتب العربي سيظل يبحث عن منافذ جديدة، سواء عبر منصات مستقلة أو مبادرات جماعية أو بدائل رقمية، ليصل صوته إلى القارئ. إن إعادة الاعتبار للكتاب العربي تتطلب ثورة ثقافية هادئة، تُعيد صياغة العلاقة بين الكاتب والناشر على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري، وتضع القارئ في قلب العملية بوصفه شريكًا في صناعة الوعي لا مجرد مستهلك.
الخلاصة أن مستقبل الثقافة العربية مرهون بقدرتنا على تحرير الكتاب من أسر السوق، وإعادة الاعتبار لدور النشر كحاضنة للفكر لا مجرد مؤسسة ربحية. فإذا نجحنا في ذلك، سنضمن أن يظل الكتاب العربي أداة للتنوير والتغيير، وصوتًا حيًا يعكس تطلعات الأمة ويصوغ ملامح مستقبلها. أما إذا استسلمنا لمنطق البلطجة التجارية، فإننا سنخسر ليس فقط الكتاب، بل سنخسر الوعي ذاته.