د. فيروز الولي تكتب :قرارات منقوصة… وعدالة مجزّأة حين تُغلق السجون بالبيانات وتبقى مفتوحة على الأرض

حين يصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي توجيهات بإغلاق السجون غير الشرعية، يفترض – نظريًا – أننا أمام خطوة في مسار استعادة الدولة وهيبة القانون.
لكن ما إن تُقرأ التفاصيل، حتى تتبدد اللغة الأخلاقية، ويظهر الواقع العاري: قرار منقوص، وعدالة انتقائية، ودولة تُدار بالجغرافيا لا بالدستور.
القرارات حصرت إغلاق السجون غير القانونية في ثلاث محافظات فقط: عدن، لحج، والضالع.
وكأن الجريمة توقفت عند حدود هذه المحافظات،
وكأن الانتهاكات تحترم خطوط النفوذ،
وكأن الضحية في تعز أو مأرب أو المخا أقل إنسانية، أو أقل استحقاقًا للعدالة.
تقرير أممي حاضر… وقرار رسمي أصمّ
تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لم يكن ملتبسًا ولا رماديًا.
وثّق بوضوح وجود سجون سرية، واحتجاز تعسفي، وجرائم إخفاء قسري في تعز ومأرب، وهما محافظتان خاضعتان لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا.
تجاهل هذه الوقائع في القرارات الرئاسية لا يُمكن وصفه بالقصور الإداري،
بل يُعد انحرافًا بالسلطة، وخرقًا لمبدأ عمومية القاعدة القانونية،
وتمييزًا غير دستوري بين المواطنين.
الدولة، وفق أبسط قواعد الدستور، لا تختار أين تطبّق القانون.
إما أن يسري على الجميع،
أو تعترف بأنها سلطة أمر واقع لا دولة.
سجون المخا وتعز وعدن ومأرب… حين يصبح الصمت سياسة دولة
ولا يكتمل مشهد العدالة المجزّأة دون التوقف عند سجون المخا، وتعز، وعدن، ومأرب، بوصفها نماذج صارخة لكيف تُدار الانتهاكات بالصمت، وكيف تتحول مناطق يفترض أنها خاضعة لسلطة الدولة إلى مساحات خارج القانون.
هذه المحافظات ليست ساحات حرب مفتوحة،
ولا تقع خارج نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا،
ومع ذلك تُدار فيها مراكز احتجاز لا تخضع لإشراف النيابة العامة،
ولا يُعرض المحتجزون فيها على القضاء،
وتُمنع فيها الزيارات،
ويُحرم فيها المعتقلون من حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
دستوريًا وقانونيًا،
كل احتجاز لا يتم بأمر قضائي،
ولا يخضع لرقابة النيابة،
ولا يُحال صاحبه إلى القضاء خلال المدد القانونية،
هو جريمة مستمرة لا يمكن تبريرها باعتبارات أمنية أو سياسية.
إن تجاهل سجون المخا وتعز وعدن ومأرب في القرارات الرئاسية الأخيرة، أو التعامل معها بانتقائية جغرافية، لا يمكن وصفه بالخطأ أو السهو،
بل هو تكريس لمنهج واحد: إغلاق السجون حيث لا كلفة سياسية،
والصمت حيث النفوذ أعلى من الدستور.
سجون “شرعية” في دولة بلا شرعية
الأكثر سخرية – وألمًا – أن هذه السجون السرية تُدار في مناطق يُفترض أنها تمثل “الدولة” في مواجهة جماعة انقلابية.
فما الفرق الجوهري،
إذا كان المواطن يُخفى قسرًا هنا كما هناك،
ويُحتجز بلا قاضٍ هنا كما هناك؟
عند هذه النقطة، تفقد “الشرعية” معناها السياسي،
وتتحول إلى لافتة بلا مضمون،
وسلطة تطالب العالم بدعمها،
بينما تعجز – أو ترفض – حماية مواطنيها من أجهزتها غير الرسمية.
توصيف قانوني ودستوري ضمن المقال
إن استمرار وجود سجون ومراكز احتجاز غير خاضعة للقضاء في تعز، مأرب، عدن، المخا يشكّل:
انتهاكًا صريحًا للدستور اليمني الذي يكفل الحرية الشخصية ويمنع التوقيف إلا بأمر قضائي.
خرقًا للالتزامات الدولية، ولا سيما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.
فشلًا للدولة في احتكار سلطة الاعتقال، وهو أحد أركان قيام الدولة القانونية.
مسؤولية مباشرة على رأس السلطة التنفيذية، نتيجة العلم بالوقائع والتقارير مع الامتناع عن اتخاذ إجراءات شاملة وغير انتقائية.
وحصر الإغلاق في محافظات دون غيرها يُعد:
تمييزًا غير دستوري، وإقرارًا ضمنيًا بشرعية الانتهاك في المناطق المستثناة.
العدالة لا تتجزأ… أو لا تكون
أي قرار لا يشمل كل المحافظات التي وثّقت فيها تقارير محلية ودولية وجود سجون غير قانونية،
هو قرار:
فاقد للشرعية الأخلاقية
معيب دستوريًا
وخطير سياسيًا
إغلاق السجون غير الشرعية ليس منّة من السلطة،
بل التزام دستوري واختبار حقيقي للصدق.
الضحية لا يعنيها إن كان سجنها في عدن أو تعز أو مأرب أو المخا،
ما يعنيها فقط أن الدولة – حتى اللحظة – ما زالت تعرف الجريمة،
وتختلف معها على العنوان.