
ـــــ يتوارى الواقع ليس عن منتقديه فحسب، بل حتى عن الذين يدافعون عنه. * جان بودريار، فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي.
ما يظهر على سطح الأحداث كصراع مسلح بين فصائل عراقية وبين أمريكا هو في الحقيقة جزء جوهري من أزمة السلطة البنيوية،
التي تشكلت في الخارج قبل الاحتلال وتم توزيع ” الحصص” على الأطراف برعاية أمريكية وبريطانية وفي مؤتمرات لندن وأربيل.
هذه الأزمة” المسكوت عنها” كان يجب أن تنفجر يوماً تحت ظروف طارئة أو منظمة واذا اردنا قلب الاشياء والحقائق على طريقة وسائل الاعلام نقول: إن الأزمة هي هوية السلاح خارج السلطة لكن ليس هو التوصيف الصحيح لأن السلطة نفسها مهجنة وبلا هوية وبلا مركز قرار وموزعة على أطراف الداخل والخارج.
لكننا نحتاج لتعريف وتفكيك معنى السلطة السياسية الحالية وتكونها كمؤسسة متغيرة ــــــــــــ وليست الدولة كمؤسسة خدمات محايدة ثابتة لا تتغير بتغير النظام.
هذه السلطة ليست نتاج ارادة ومصالح وطنية عراقية بل تشكلت وتم ضبط النظام السياسي
والاجتماعي حسب المصالح الأمريكية و خلق نظام متاهة مغلق وترك الجميع، سلطة ومعارضة، يدورون كثيران النواعير حول المكان نفسه بلا نتيجة.
البحث عن المشكلة يجري من داخلها بقوانين اللعبة نفسها والقاموس نفسه في حين الحل الحقيقي البحث من خارج المتاهة أو التفكير من خارج الصندوق Thinking outside the box أو من خارج المشكلة والقوالب والنسق الجاهز والمسلمات المعلبة.
من يعتقد ان مؤسسات السلطة العليا كالرئاسة والحكومة والبرلمان هي تكوينات محلية عليه العودة الى وثيقة التوجهات السرية الأمريكية
وهي الخطة الاستراتيجية المعمول بها منذ تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم رغم أننا لا نقرأ الوثائق المتعلقة بمصيرنا.
الولايات المتحدة لم تستطع يوما أن تحكم شعباً، لكنها تحكم حكامه ومن خلالهم تستطيع السيطرة.
مع ان الوثيقة تشمل كيفية التعامل الأمريكي مع أوروبا وروسيا ــــــــ منذ صدورها عام 92 اعتبرت الوثيقة روسيا كخطر مستقبلي ويجب ابقاء التواجد النووي الامريكي في اوروبا ـــــــــ والصين ودول “محور الشر” كالعراق وكوريا وايران في المستقبل،
لكنها تشير بوضوح الى كيفية التعامل مع دول آسيا والشرق الأوسط،
ويهمنا هنا رؤية الوثيقة للتصور الأمريكي في حال نصاً:
” حدوث تغيير وقائي في الدكتاتوريات وتحويلها الى أنظمة مقبولة
أو موجهة أو مضبوطة”،
بعد اسقاطها بحجة اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان كما ورد نصاً،
وعلينا فحص هذه المفاهيم بدقة وعمق خلف السطح الظاهر.
في حال حصول ذلك” التحول” في النظم الدكتاتورية عن طريق الانقلابات أو الحرب فيجب” تكوين آليات دستورية تقتصر ممارسة الديمقراطية على النخبة الحاكمة”.
ديمقراطية النخبة تعني النخبة المعزولة عن المجتمع
ومرفهة خارج البؤس العام كما هي ديمقراطية نخبة العزل في المنطقة الخضراء وتسمى الديمقراطية منخفضة الحدة وليست ديمقراطية الجمهور العام. أي ” المنطقة الخضراء” مصممة قبل الاحتلال.
الوثيقة كُتبت قبل الاحتلال بسنوات، لكنها خطة عمل جاهزة ومن تطبيقاتها
حول” ديمقراطية النخبة الحاكمة”،
تأسيس ” المنطقة الخضراء” وممارسة ” الديمقراطية” المنخفضة الحدة للنخبة الحاكمة بعد عزلها عن الجمهور العام، مع مؤسسة برلمانية مرفهة وشكلية بامتيازات مفرطة لكي يرتبط وجودها بوجود النظام السياسي نفسه،
تمارس طقساً استعراضياً عن الديمقراطية للتغطية، وهذا ما حدث بعد الاحتلال. أي تركيب النموذج الجاهز على واقع عراقي.
لكن هذا يتطلب، حسب الوثيقة بوضوح:
” إضعاف المنظمات والحركات الشعبية والنقابية واليسارية”،
لكن كيف يتم هذا الاضعاف؟
تقول الوثيقة:
” يتم اضعاف تأثير العناصر الثورية وأصحاب الرؤوس الحارة من مثقفين ويساريين ونقابيين وأمثالهم بشكل مدروس عن طريق العنف المباشر الذي
تمارسه القوة الثالثة ـــ السي آي أيه ــــ مع الانكار النظري المقبول”.
لا يحتاج النص الوقح الى تفسير، أي اغتيال أصحاب “الرؤوس الحارة” وهو وصف الوثيقة نفسها، ثم الانكار المختزل ونحن نعرف تطبيقات هذا النص على عناصر وطنية كثيرة والقاء الجريمة على منظمة ارهابية إما مخترقة
أو مصنّعة وتم تصفية علماء وأطباء ومثقفين وزعماء دينيين رافضين.
إما من يسلم من القتل الجسدي لسبب ما من ” أصحاب الرؤوس الحارة “،
فتتولى عناصر محلية مشتراة من الحثالات والانتهازيين عملية القتل الاخلاقي والتشهير به والتركيز في حرق السمعة من خلال معارات شرقية تتعلق
بالشرف والسوّية وهذه تمشي وتسوّق في مجتمع يفتقر للثقافة القانونية ، أي القتل المعنوي،
في مجتمع لا يفحص ولا يسأل ولا يبحث عن دليل ولا شاهد نفي
ولا إثبات ولا دفاع المتهم ولا قاعة ولا شهود ولا قرار وبلا مؤسسات قانونية رصينة ومستقلة وبلا حس حقوقي بدائي وفطري،
بل خفة عقلية سائدة بين الغوغاء وذهنية الوصم الفوري مع ممارسة سياسات العزل والاقصاء والتهميش للدفع بالرافضين للاندماج مع النظام او المحو الجسدي أو الأخلاقي.
كل هذه الادارة للبلد شرط ألا يظهر الدور الأمريكي في الواجهة من أجل منح الحاكمين الجدد( الهيبة أمام شعبهم) حرفياً، أي سياسة تحريك الدمى عبر ستار.
لكن كيف سيكون شكل الهيئات القيادية الأخرى التي تشكل ما يعرف بالنظام السياسي كالرئاسة والحكومة والبرلمان والقضاء، أي السلطات الثلاث؟.
تقول الوثيقة إن ذلك يتم:
” من خلال دمج المؤسسات القيادية والدستورية في ما بينها”،
مع أن كل نظم العالم الديمقراطية تقوم على فصل السلطات لكن ” الدمج” في حالة العراق للتحكم بالجميع،
اي تكوين سلطة المتاهة وتشابك وتداخل وتراكم الصلاحيات وبمعنى أوضح توزيع السلطة على أطراف متعادية متناقضة يستحيل الحصول بينها على اجماع وطني في القضايا المصيرية مع ترك الهوامش لهم.
تم ذلك ” التوزيع” فعلاً للتحكم الخفي بمراكز القرار، والتحكم أيضاً:
” بالواقع الاجتماعي مع أقل استخدام ممكن للإكراه القسري” كما ورد حرفياً.
وهو ما تم أيضاً اذ جرى التحكم بــ” الواقع الاجتماعي” من خلال النخبة الحاكمة، أي التحكم بالسلطتين: السياسية والاجتماعية دون ظهور الدور الامريكي في الواجهة.
كل ذلك مر من خلال تشريعات كالدستور والقانون لجمت الواقع وأي حركة للتغيير.
قبل الغزو بشهر كتبنا مقالاً في مواقع كثيرة موجود حتى اليوم،
بعنوان صريح تعليقاً على هذه الوثيقة وتخيل شكل النظام القادم يوم كانت السلطة قائمة: ” انطلاق وحش”.
في المقال الذي كتب تحت ضغط الاحداث حاولنا رسم المعالم العامة للنظام السياسي الجديد، وتوقع عودة كاسحة للقبلية نظراً لتقارير موثوقة نشرت في ذلك الوقت عن فتح سجلات القبائل العراقية من قبل بريطانيا الخبيرة بتاريخ العراق عكس الولايات المتحدة التي تلجأ للقوة الغاشمة،
فليس هناك أكثر من التكوينات القبلية رفضاً للتغيير رغم ركوبها الموجة .
بتحالف القبائل مع رجال الدين، كما حدث،مع دعم القبلية كان النظام اليوم سيتكون من خلطة من المعارضة ومن عناصر من النظام القديم غير معروفة بجرائم،
مع مقاولين جدد سيتم انتاجهم من الحفاة كجسر للأسواق الحرة، كرعاة إبل ومهربي سجائر واصحاب اسطبلات خيل ومن الحثالات والخ.
مع اقصاء لاصحاب” الرؤوس الحارة” من مثقفين ونقابيين ويساريين ساخطين يرفضون الاحتلال أو الاندماج، وهؤلاء سيتم التعامل معهم
بطريقتين:
أولا: الدمج والاحتواء والاغراء ثانيا: الاغتيال الجسدي او الاخلاقي مع الانكار المختزل.
الواقع كائن حي يمكن تحريكه أو اغتياله ويمر بمراحل ولادة وفتوة وشيخوخة وهرم ومرض وموت وكل مرحلة لها صفات خاصة.
لماذا تم تكوين النظام السياسي من تلك المكونات كما خطط الانكليز؟
لأن شيوخ القبائل ورجال الدين وعناصر النظام القديم والمقاولين وكبار ضباط الجيش القدماء كلها عناصر محافظة وترفض التغييرات العاصفة لحفظ مصالحها، وتحافظ على ” الاستقرار” العنوان الملون للنهب وحياة مرفهة بذريعة الحفاظ على “الاخلاق والتقاليد والاستقرار” كما نرى في مضايف الفصل العشائري والدية التي تتحول الى بازار لبيع الدم مقابل المال في طقوس تمثيلية بدائية متخلفة.
هذا ما حدث حرفياً بعد الاحتلال وحتى اليوم. تم لجم الواقع بقوة وشرّع له بمؤسسات وقوانين ودستور وأعراف سياسية، ولن يتغير هذا الواقع لسنوات قادمة.
من يريد مواصلة الأوهام، يمكنه ذلك لأن الانسان يترجم ويرى الواقع لا كما هو بل يترجمه حسب قدراته العقلية وثقافته من باب التمنيات والآمال الزائفة. نحن لا نرى الواقع نفسه ولا نرى اين يمضي بالطرق نفسها.
الذين يرون ” الواقع الظاهري” لا يرون غير السطح وهناك في الواقع المخفي قصة عميقة مختلفة من مصالح وشركات ودول وجيوش ونفط ومعادن ومافيات وعادات واحزاب وتقاليد والخ وهذه العناصر متداخلة تداخل أنياب التماسيح.
عناصر منتقاة من النظام القديم مع شريحة جديدة من المقاولين جرى انتاجها بسرعة من حفاة الامس كجسر للعبور نحو الاسواق الحرة الراسمالية للتحكم بالنظام المصرفي بطرق خفية وكل هذه عناصر محافظة ترفض أي تغيير في الأوضاع وربط كل ذلك بدستور وقوانين،
يكون قد تم وضع السلطتين السياسية والاجتماعية تحت التحكم الخفي التام،
وترك النخب الحاكمة تتصرف كما تشاء في الهوامش لاجل الهيبة امام الناس.
هذا النظام السياسي مغلق من الداخل وتتداول فيه قوى السلطة في طقوس مقررة كالانتخابات ومن المستحيل في الظروف الراهنة احداث اية تغييرات جوهرية فيه
لأن كل القوى معبأة ومشحونة بالمال والسلاح والحلفاء والاتباع والمصارف والعقارات وحياة مرفهة بحيث تدافع عن وجودها دفاعا انتحاريا لان الخسارة ليست سياسية بل قصة حياة أو موت وعقاب ومحاكم مستقبل:
هذا النظام لا تكسر حلقته المفرغة إلا من خارجه ومن قوى محلية مضادة وبديلة وصاحبة مشروع والمشكلة أنها غائبة ومغيبة حتى اليوم،
لذلك وفي هذه الظروف وهذا الوضع المركب والمعقد،
سيبقى هذا النظام لسنوات قادمة لان عوائد النفط تغطي عاهات دولة فاشلة كما في دول الجوار،
لكنه سيتفسخ ويتحلل ويتعفن على مراحل ويتداعى وينهار تحت أحداث عاصفة او حتى عابرة لان الاسس منهارة ومنخورة.
التوازنات التي تأسس عليها هذا النظام في الخارج ليست ضماناً للمستقبل وما يظهر من أزمات دورية اقتصادية وخدمية وأمنية ليست إلا أعراضاً لمرض السلطة البنيوي التي تشكلت حسب مصالح دولية واقليمية وتوزيع موارد الدولة الريعية كغنائم وهدايا ومكرمة وليست حقوقاً وغياب مفهوم “المواطن” لصالح “المكون ” وعند ظهور أزمة تلجأ السلطة الى التسكين لأنها عاجزة عن العلاج حتى تحولت من مشروع سلطة الى مشروع إدارة أزمات وبما أن مرض السلطة البنيوي لم يعالج، ستظهر أعراض المرض بأشكال مختلفة بين وقت وآخر دون العودة الى المأزق الحقيقي المسكوت عنه في طريقة بناء النظام السياسي.
كل النقاش السياسي أمس واليوم وغدا يدور حول اعراض مرض السلطة وتحاشي المرض نفسه عن عجز معرفي وثقافي في التفكير من منطقة مختلفة من خارج السرديات والخطابات البلاغية والانشائية الباهتة وهذا الخطاب السياسي المدرسي الفارغ هو السائد منذ القرن الماضي.
هوامش:
1 ــــــــــــ تُعرف “وثيقة التوجهات السرية الأمريكية” باسم “مُسودة إرشادات تخطيط الدفاع” (Defense Planning Guidance) لعام 1992، والتي تسربت إلى صحيفة “نيويورك تايمز” وأثارت ضجة هائلة حينها. تعتبر هذه الوثيقة حجر الزاوية لما عُرف لاحقاً بـ “عقيدة ولفويتز ” نسبةً إلى بول ولفويتز الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع للسياسات آنذاك وفي غزو العراق الذي يرجح كثيرون انه وزلماي خليل زادة الذي عين سفيرا في العراق بعد الاحتلال من كتب تلك الوثيقة وهم من عتاة دعاة الحرب والتطرف.
يمكن العثور على هذه الوثيقة في كتاب” نادي القتلة: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”لـلمفكر الألماني مايكل أوبرسكالسكي. مترجم للعربية. قال الكاتب محمد حسنين هيكل إنه صُدم عندما قرأ الوثيقة التي تتعلق بصنع مصيرنا ونحن لا نقرأ هذه الوثائق.
2 ـــــــــ”أثبتت التجارب اللاحقة (خاصة في العراق وليبيا وسوريا) أن الوثيقة كانت “متفائلة” جداً بشأن ما بعد السقوط؛ حيث ركزت على تحطيم النظام القديم لكنها أغفلت تعقيدات بناء الدولة، مما أدى إلى فوضى وحروب أهلية بدلاً من “النظام المنضبط” الذي طمح إليه صقور البنتاغون” ــــ مصدر.