تاريخ العرب

يزيد بن عبد الملك بن مروان

بعد وفاة عمر بن عبد العزيز رحمه الله خيم حزن عميق على الأمة كلها حتى قال بعض الناس ما مات رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان موته أوجع على المسلمين من موت عمر بن عبد العزيز ومع ذلك لم تتوقف عجلة الدولة فالأمر في بني أمية كان قد استقر على نظام واضح فانتقلت الخلافة بعده إلى ابن عمه يزيد بن عبد الملك بن مروان وكان شابا في أوج قوته لم يتجاوز الثلاثين وقد نشأ في بيت الملك وعرف نعيم الدنيا قبل أن يعرف ثقل الحكم
كان يزيد بن عبد الملك أموي النسب قرشي الأصل أخا الوليد وسليمان من أبيه عبد الملك بن مروان وكان مختلفا عن عمر بن عبد العزيز في الطبع والتكوين فلم يكن زاهدا ولا ناسكا بل كان محبا للترف واللهو مع ذلك لم يكن سافكا للدماء ولا غافلا تماما عن شؤون الدولة بل كان حاكما متوسطا بين الشدة واللين وبين الدين والدنيا
حين تولى يزيد الخلافة شعر الناس بوضوح أن زمن عمر قد انقضى وأن الدولة عادت إلى طبيعتها الأموية الأولى فعادت مظاهر القصور وعاد التوسع في الإنفاق وعاد الاعتماد على القوة في إدارة الأقاليم ومع ذلك حافظ يزيد على كثير من التنظيمات التي أرساها عمر ولم يهدمها كلها دفعة واحدة لأنه كان يدرك أن الدولة لا تحتمل صدمات عنيفة بعد مرحلة الزهد والعدل الصارم
في عهده استمرت الفتوحات على الثغور البيزنطية وقاد أخوه مسلمة بن عبد الملك حملات قوية على الروم وثبتت هيبة الدولة في الشام والجزيرة واستقرت الأوضاع الداخلية نسبيا لكن في المقابل بدأت بعض بوادر التراخي الإداري تظهر واشتكى الناس من بعض الولاة الذين أعيدوا إلى مناصبهم بعد أن عزلهم عمر بسبب الظلم
وكان من أشهر أحداث عهده قصة حبه لزوجته حبابه وهي قصة ذكرها المؤرخون لا على سبيل التشنيع بل لوصف طبيعته الإنسانية فقد كان شديد التعلق بها حتى شغلته عن شؤون الحكم في بعض الفترات فلما ماتت حزن عليها حزنا شديدا وانكسر قلبه واعتزل الناس أياما طويلة وقيل إن ذلك كان سببا في تدهور صحته ونفسيته
دام حكم يزيد بن عبد الملك أربع سنين تقريبا ولم يشهد ثورات كبرى ولم يحقق إصلاحات عظيمة لكنه حافظ على كيان الدولة ومنع انهيارها بعد وفاة رجل استثنائي مثل عمر بن عبد العزيز ثم مات فجأة سنة خمس ومئة للهجرة وهو في ريعان شبابه فترك الخلافة لأخيه هشام بن عبد الملك
وبتولي هشام بن عبد الملك دخلت الدولة الأموية مرحلة جديدة مختلفة فقد كان هشام رجلا شديدا صارما حريصا على المال والنظام طويل النفس في الحكم فحكم نحو عشرين سنة كانت من أطول فترات الاستقرار النسبي في الدولة الأموية لكن في طياتها كانت تتشكل عوامل الضعف التي ستنفجر بعده بسنوات قليلة
وهكذا يمضي التاريخ يا زكريا خليفة يزرع العدل في سنتين فيغير وجه الأمة وخليفة يحكم أعواما طويلة فيحفظ الشكل دون الروح وبين هذا وذاك يتعلم القارئ أن الدول لا تقوم بطول الزمن وحده ولا بالقوة وحدها بل بما يزرع في القلوب من عدل وخوف من الله وربما كان من الحكمة أن تُروى هذه القصص وأن تُحمل إلى غيرنا لا على سبيل الحنين بل على سبيل العبرة حتى يدرك من يقرؤها أن التاريخ حي يتكلم لمن أحسن الإصغاء

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى