تاريخ العرب

يزيد بن أبي سفيان، قصة إسلامه، (فارس بني أمية وبطل معركة اليرموك)

يزيد بن أبي سفيان. هذا فتى من أرفع فتيان قريش نسباً، وأعزهم أما وأباً، وأغزرهم حجاً، وأكملهم فضلاً. وقد كان يزيد – أو يزيد بن أبي سفيان – يوم بعث الرسول صلى الله عليه وسلم شاباً في مقتبل العمر، وكان جديراً بعقله الراجح ونظره الثاقب أن يقوداه إلى الإسلام ويرشداه إليه، كما أرشدا أخته أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان. لكن الفتى القرشي ظل يرعى لوالده أبي سفيان بن حرب حرمته، فلم يسلم إلا بعد أن أسلم أبوه، وكان ذلك في شهر رمضان من عام الفتح.
سر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بإسلام يزيد بن أبي سفيان لما كان يلمح فيه من مخايل الرجولة وشمائل المروءة، ولما كان يتوقع أن يتحقق على يديه من الخير للإسلام والمسلمين. وقد بالغ الرسول صلى الله عليه وسلم في إكرامه بعد غزوة حنين، فأعطاه مئة من الإبل، وأمر له بأربعين أوقية من الفضة، وزنها له بلال الحبشي ودفعها إليه.
ولما آلت الخلافة إلى الصديق رضي الله عنه، لم يخف عليه ما يتمتع به الفارس الأموي من قوة الشكيمة وصدق العزيمة ورجاحة العقل وعمق الإيمان، فقرر أن يضع هذه الطاقات الفذة في خدمة الإسلام والمسلمين. لكن الصديق رضوان الله عليه كان يخشى على الفتى القرشي من نزوات الرئاسة، ويخاف عليه من غرور القيادة، فاستدعاه وقال له: “يا يزيد، إنك شاب تذكر بخير ظهر في فعالك، وقد أردت أن أبلوك فأنظر كيف أنت وكيف ولايتك. فإن أحسنت زدتك، وإن أسأت عزلتك”.
“وعليك يا يزيد بتقوى الله، فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك. وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير وعدهم إياه. وإذا وعظتهم فأوجز، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً. وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها. وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لبثهم عندك حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك. وأنزلهم في ثغر عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك”.
ثم قال ليزيد: “وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك. واسمر في الليل مع أصحابك، تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأسرار. وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك. فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربها من النهار. ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجن فيها ولا تسرع إليها. ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تتجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العابثين، وجالس أهل الصدق والوفاء وصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس”.
ثم قال له: “هذا، وإني أوصيك بأبي عبيدة بن الجراح خيراً، فقد عرفت مكانه في الإسلام، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. فاعرف له سابقته وفضله. وانظر معاذ بن جبل، فقد عرفت مشاهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تقطع أمراً دونهما، وإنهما لن يألوا بك خيراً”.
فقال يزيد: “يا خليفة رسول الله، أوصهما بي كما أوصيتني بهما”. قال أبو بكر: “لن أدع أن أوصيهما بك”. فقال يزيد: “يرحمك الله وجزاك عن الإسلام خيراً”.
وكان الصديق رضوان الله عليه قد عزم على إنفاذ جيش إلى بلاد الشام لغزو الروم، فجمع جموع المسلمين من كل وجه، وحشد طاقاتهم من كل لون، وقسم الجيش إلى أربع فرق، وعقد لواء فرقة منها لفارس بني أمية يزيد بن أبي سفيان. ولما فصل الجيش عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج أبو بكر الصديق يودع جند المسلمين وقائدهم الشاب، فطفق الصديق يمشي.
فقال يزيد للصديق: “أتمشي وأنا راكب يا خليفة رسول الله؟” وهم أن ينزل له عن جواده وهو يقول: “إما أن تركب وإما أن أنزل”. فقال أبو بكر: “ما أنا براكب ولا أنت بنازل، إني أحتسب خطايا هذه في سبيل الله”. ثم التفت إلى يزيد وقال: “إنكم ستحلون بلاداً يقدم لكم فيها أصناف الطعام، فسموا الله على أوله واحمدوه على آخره، وإياكم والأشر”.
“وإني موصيك بكلمات عشر: لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبيًّا صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا، ولا تقطعنَّ شجرًا مثمرًا ولا تخربنَّ بيتًا عامرًا، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقنَّ نخلاً ولا تعذقنَّهُ، ولا تغلل ولا تجبن”.
لما نزلت جنود المسلمين بلاد الشام، بعثوا إلى قائد جيش الروم: “إنا نريد أن نكلمك”. فأذن لهم، فذهب إليه يزيد بن أبي سفيان مع نفر من وجوه الصحابة، فوجدوه قد رفع لنفسه ولحاشيته ثلاثين رواقاً وثلاثين سرادقًا، كلها من الديباج. فلما انتهوا إليها، أبى يزيد ومن معه أن يدخلوها وقالوا: “إنا لا نستحل الحرير، فاخرج إلينا”. فنزل عند رغبتهم وحدثوه وحدثهم فلم ينتهوا إلى شيء.
ثم التقت الفئتان على أرض اليرموك: فئة قليلة مسلحة بالإيمان، وفئة كثيرة مثقلة بالكفر والعصيان. فأقبل أبو سفيان وكان شيخاً فانياً على ابنه يزيد وقال: “يا بني، عليك بتقوى الله والصبر، فإنه ليس رجل في هذا المكان من المسلمين إلا محفوفاً بالقتل، فكيف بك وبأشباهك ممن ولوا أمور المسلمين؟ فاتق الله يا بني وأكرم نفسك، ولا يكن أحد من أصحابك بأرغب منك في الأجر والصبر في الحرب، ولا أجرأ على عدو الإسلام منك”.
فقال يزيد: “أفعل يا أبتي إن شاء الله”.
ثم كرَّ على جند الروم هو ومن معه كرة أزاحتهم عن أماكنهم. كان يزيد كلما هدأ أو فتر، يسمع شرحبيل بن حسنة يقول: “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة”. ثم يقول: “أين الشارون أنفسهم لله ابتغاء مرضات ربهم؟ وأين المشتاقون إلى جوار الله في داره؟”. فكان كلما سمع ذلك حمي واشتد، حتى كتب الله لجنده النصر في أكبر معركة فاصلة عرفها تاريخ الإسلام، إذ لم تقم بعدها للروم قائمة في ديار الشام.
ظل يزيد بن أبي سفيان يتابع انتصاراته في ميادين الجهاد، حتى كان أحد القادة الأربعة الذين فتح الله على أيديهم دمشق. ثم تابع الفارس الأموي جهاده، حتى فتح للمسلمين بيروت وصيداء وما جاورهما من قرى لبنان.
فما دمتم أيها الأحباب الكرام قد وصلتم إلى هنا من هذا المقطع، فقد أتممتم بفضل الله سماعه، فجزاكم الله من الخير أجزله. فإن صادف قبولاً، فلا تبخلوا علينا بإعجاب وتعليق ليصل إلى غيركم، وعلى الله الأجور. ولا تحرمون كذلك من دعوة بظهر الغيب. وإن كان من ثلمة، فشأن الكرام ستر العيب. أدامكم الله خيراً لا ينقطع أثره، ممتداً بالدنيا بقاءً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى