
الرثاء موطن العاطفة الحزينة.. وهو في شعر جاسم محمد المحمداوي صادقٌ للغاية.. كونه ينبضُ بمشاعر حقيقية ولوعة فراق حارَّة، بعيدة عن التصنّع والمبالغة.. حيث يمزج الشاعر ما بين تعداد مناقب زوجته وخصالها الحميدة وبين التفجع عليها، من خلال تصوير لوعة الفقد، وذكر أثرها في حياته، انطلاقاً من علاقة مباشرة وقوية.. لذا التقيناه في حوار تحدَّث فيه عن ذاته.. رثائه.. تموُّجاته العاطفية:
*حبذا لو تُقدِّم لنا لمحةً عن حياتك. ومتى بدأت الكتابة، وهل لك مجموعات شعرية مطبوعة؟
**الحقيقة كتبت الشعر وعمري ستة عشرَ عاماً، ونشرتُ في جرائد تصدر داخل العراق تهتم بالأدب.. بعد دخولي الجامعة نمت هذه الموهبة شيئاً فشيئاً، حتى أنَّني كتبت النثر؛ لكن بعد الصدمة العاطفية التي حدثت معي صار شعري العاطفي له منحى آخر، وقد كان أغلبه حزيناً يُعبِّر عن ذاتي ومعاناة روحٍ خسرت حبيبة.
وحين دخلنا الحرب الطاحنة لثماني سنوات بعد التخرُّج في الجامعة، كنت أحمل الموت تعويذة معي، لذا توقَّفت عن كتابة الشعر لسنين طويلة إلا من بعض المقاطع القصيرة، وكان مضمون الشعر في ذلك الوقت محدوداً بمفهوم الحرب.. وبعد لقاء امتدَّ عمره ٣٧ سنةً عشتُ قصَّة حبٍّ عنيفة.. وقتها كتبت عدداً من القصائد.. ومن ثمَّ توفيت زوجتي وحبيبتي بمرض كورونا.. وفقدانها فجَّر بركاناً كبيراً من الألم والحنين والوجع، إذ كتبتُ ثلاثة دواوين نثرية٠
*ما قيمة الشعر ودوره في تشكيل وجدان الشاعر بما ينعكس على حياته؟
** الشعر ما تشعر به النفس البشرية وتصدر إيقاعاتٍ وصوراً تتبلور في لجَّة كبيرة من التداخل بين الأمنيات والخسارات.
أجمل الشعر حين يُنتجه الشاعر في لحظة تجلٍّ، سواء أكانت حزناً أم فرحاً.
*هل تأثَّرَتْ تجربتك الشعرية بفلسفة شعراء معينين؟
** قرأت للعديد من الشعراء العرب والغربيين، وكانت تجربة رائعة في معرفة الصياغة النثرية والمحتوى والصور في تكوين قصيدة تمسُّ مشاعر القارىء وتجذبه.
أوَّل شاعرٍ تأثَّرت به هو الشاعر العراقي “بدر شاكر السياب” مُجدِّد الشعر، ولهذه اللحظة مازالت قصيدته تهزُّ كياني وتأخذني إلى عوالم ساحرة، ثمَّ تأثَّرت بالشاعر السوري “نزار قباني” وأسلوبه العذب المذاق، إضافة إلى جمال الصور سواء أكانت عاطفيَّة أم ثوريَّة. ولا أنسى الفرنسيين: “أراغون” شاعر الحبِّ والثورة، و”آرثر رامبو” شاعر التمرُّد.
ولكوني خريج كلية الآداب – لغة فرنسية، تعمَّقتُ في معرفة الأدب الفرنسي، إضافة إلى شعر خليل حاوي وأدونيس وآخرين.
*لا يكون الإنسان إنساناً إلا بالاتحاد مع الطبيعة والاندماج معها حيَّة أم صامتة.. ما مدى تأثَّرك بها في قصائدك، وكيف عبَّرت من خلالها عن فكرتك؟
** لا أخفي عليك أنَّ الطبيعة منجم كبير للصور.. مثل: “الماء، السماء، الريح، الجبل، السهول، الشمس، البحر، المطر.. وغيرها من المفردات”، لذا أبدعت الكثير من الصور في قصائد النثر، وهذا الاستخدام أعطى النص بُعداً جمالياً مميزاً، حين استلهمت منظر البحر لأُعَبِّر عن شجوني، أو حين أدخلت مفردة الغيمة الهاربة ليلتحف بها حزني وإحساسي.
في الحقيقة يبقى الشاعر يلاحق الطبيعة في نصوصه حتَّى تنبض بالحياة.
* تفرَّدتَ بطريقتك الخاصَّة في إبراز معاني الرثاء لزوجتك واعتنيت بهذا الجانب كثيراً.. هل الرثاء تمجيد لخصال رفيقة الدرب، أم تعبير عن تجاربك الشعوريّة إزاءها بأسلوب يتجلَّى فيه قيمة المأساويّ؟
** الحقيقة: إنَّ حبيبتي هي آلهة الشعر بالنسبة لي، فصورة عَيْنَيْها تُفجِّر في أعماقي قصيدةً كاملةً، ويُمكن للقاء معها في مقهى أو جلوس في زورق أن يدفعاني لاقتناص هذه اللحظات كي تكون نصَّاً.. وأغلب ما كتبت بعد رحليها كان لها، فعندما أكتب عن الوطن أقصد هي وطني، وعندما أكتب عنها أعني هي الوطن.. هذا التمازج العجيب بين حبِّي لها وحبِّي للوطن.. للأرض.. للنخيل.. للنهر.. للقمر والشمس هو تماهٍ كامل.
كذلك حين أشعر أنَّ هذه المرأة أخذت معها كلَّ مواطن الجمال والحياة، فإنَّني أستغرب كيف أبدو؟ وأنا مَن انتظرتها سبعاً وثلاثين سنةً، ثمَّ تزوَّجتها وفقدتها بعد سنتين.. هذه القديسة أتفاجأ كيف تسرَّبت كالدخان من بين يديَّ.. وأجزم أنَّ رثائي لها بمثابة ملحمةٍ لا تنتهي حتى بعد موتي.
*الرثاء موطن العاطفة الحزينة ولا شكَّ أنَّ الرثاء في الأقرباء أصدق منها في غيرهم، لذلك نجد المباشرة دون الوقوف على الأطلال ووصفها، ودون البكاء أو الاستبكاء نظراً لسيطرة العاطفة الحزينة عليك، مستخدماً الأساليب المختلفة من استفهام واستثناء ونداء وما إلى ذلك للتقرير أو للحسرة أو لتعظيم المرثي.. هل هذا صحيح، وهل لجأت إلى الأنسنة والتشخيص؟
** فعلاً استخدمت كلَّ هذه الأشياء حتى تصبح منولوجاً إنسانياً لا يخلو من النداء والاستفهام، ليكون النَّصُّ محاكاةً تنبض بالحياة، وليدرك القارىء أنَّ مَنْ أكتب عنه ليس شيئاً عابراً، بل هو وجود روحي يسير مع شراييني.
* الغالب على نصِّك الأخير وهو بعنوان “القصيدة الأخيرة” تزايد التّموّجات العاطفيّة الحادّة في نفسك لدرجة جرت الكلمات في مجرى عاطفي حزين فابتدأت بمناداة زوجتك والتماهي معها مازاد الرثاء حزناً على حزن.. ألهذه الدرجة تجعل الحزن مغلقاً؟
** لا أستطيع الكتابة عن غيرها، حتى وأنا أكتب في غرض غير الحزن والرثاء أشعر أنَّ يداً خفيَّةً تُرجعني إليها دون إرادتي. والأغرب من كلِّ هذا أنني كتبت ثلاثة دواوين لها وحدها.. هم:
“سمراء حبيبتي”، “رثاء وطن”، “ما بعد الرحيل”، وكتبت روايةً عنوانها: “عطش في وادي الرافدين” تتحدَّث عن قصَّة حبِّي وفقدانها… كانت مبكيَّة، وكتب نقَّاد كثيرون عنها، كما أطلق أصدقائي الشعراء عليَّ لقب: (سيِّد الرثاء)، رغم أنَّني لم أكن شاعراً بمعنى الكلمة في خطواتي الأولى بشعر النثر.