
🛑 تيهُ المرايا :
سيكولوجيا وفلسفة تعدد العلاقات العاطفية .
بين أروقة الروح ودهاليز الوعي ، يقف الإنسان أحياناً أمام مرآة لا تعكس صورته ، بل تعكس فراغاً يحاول ردمه بوجوه الآخرين . تعدد العلاقات العاطفية ليس مجرد سلوك عابر ، بل هو عرض لعمق غير ممتلئ ، ورحلة بحث سرمدية عن معنى مفقود .
تتضافر العوامل النفسية والفلسفية لتفسير هذا التيه ، حيث يلتقي الخوف من الفقد بالرغبة في السيادة .
▪️البعد النفسي : لماذا تتعدد الأقنعة ؟
خلف الاندفاع نحو العلاقات المتكررة تكمن حزمة من الدوافع النفسية العميقة :
* تدني تقدير الذات :
يبحث الشخص عن قيمته في عيون الآخرين . وبمجرد أن ينطفئ بريق الانبهار الأول ، ينتقل إلى عينين أخريين بحثاً عن جرعة تأكيد جديدة .
* عقد التخلي والخوف من الحميمية :
المفارقة تكمن في أن الرغبة في الاقتراب يصاحبها رعب
من الانكشاف . التعدد يحمي الشخص من الغوص
في العمق ؛ فالبقاء على السطح مع الكثيرين أأمن من الغرق مع واحد .
* الإدمان على الدوبامين : البدايات دائماً مشحونة بهرمونات الشغف . الانتقال المستمر هو محاولة لإبقاء الدماغ في حالة “نشوة البداية” الدائمة ، والهروب من رتابة الاستقرار .
🛑 النرجسية وتعدد العلاقات : امتلاك الظل .
ترتبط النرجسية بتعدد العلاقات ارتباطاً بنيويّاً .
النرجسي لا يرى في الآخر شريكاً ، بل يراه “امتداداً لذاته”
أو مرآة تعكس كماله المتخيل .
العلاقة مع النرجسي تمر بثلاث مراحل رمزية :
* الرفع والتمجيد :
حيث يرى الشريك نفسه فوق السحاب .
* التهميش والتقليل :
بمجرد أن يضمن النرجسي السيطرة ، يبدأ الملل .
* البحث عن البديل :
يترك الشريك محطماً ويبحث عن “مرآة جديدة” لم تخدش بعد .
التعدد هنا ليس شغفاً بالحب ، بل هو شغف بـ “التغذية النرجسية” . إنه أشبه بملك يجمع التحف ؛ لا تهمه التحفة لذاتها ، بل لكونها تشهد على قدرته على الاقتناء .
🛑 رؤية رمزية فلسفية :
“سيزيف” في وادي العواطف.
فلسفيّاً ، يمكن تشبيه متعدد العلاقات بـ “سيزيف” الذي حكمت عليه الآلهة بدفع صخرة إلى قمة الجبل ، لتتدحرج بمجرد وصولها ، فيعود ليدفعها مجدداً إلى الأبد .
▪️العلاقة عند هذا الشخص هي الصخرة . يبذل جهداً خارقاً للوصول بالشرارة إلى القمة ، وبمجرد أن يستقر الحب ويتحول إلى مسؤولية وألفة ، تتدحرج الصخرة نحو القاع ، فيبحث عن جبل آخر وعلاقة أخرى .
إنه يعاني من “الظمأ الوجودي” . يظن أن كثرة الينابيع ستروي عطشه ، غافلاً عن أنّ العطش ليس في قلة الماء ، بل في طبيعة الروح العطشى التي لا تبحث عن الارتواء ، بل عن فعل الشرب نفسه . إنه يهرب من مواجهة ذاته ، لأن الوقوف في علاقة واحدة يفرض عليه النظر إلى الداخل ، والتعدد يمنحه الضوضاء اللازمة للهرب من صمت الذات الموحش .
▪️إن تعدد العلاقات ، في جوهره ، ليس دليلاً على وفرة الحب ، بل على الخوف منه . هو محاولة بائسة لملء ثقب أسود في الروح بوجوه عابرة ، وحين يدرك المرء أن الاستقرار يتطلب شجاعة مواجهة النفس ، تنكسر المرايا الزائفة ، ويبدأ البحث الحقيقي عن النبع الداخلي .
🖋️ عبد الفتاح طعمة