رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب:هرمز ليس لإيران… لكنه لم يعد لغيرها أيضًا..

في الجغرافيا الصلبة، لا تملك إيران مضيق مضيق هرمز، لكن في الجغرافيا الاستراتيجية نجحت في إعادة تعريف معنى السيطرة ذاته. لم يعد السؤال: من يملك المضيق؟ بل: من يستطيع أن يجعل المرور فيه آمنًا أو مكلفًا.
هنا تحديدًا، نقلت إيران المعادلة من “هيمنة بحرية” إلى “قدرة على التعطيل”، ومن سيطرة مطلقة إلى ردع مرن يفرض كلفة دائمة على الخصم.
ما تحقق لم يكن تفوقًا تقليديًا، بل تحولًا في منطق القوة. عبر زوارق سريعة، وصواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، وتكتيك الإغراق العددي، بنت إيران نموذجًا قتاليًا لا يسعى إلى الانتصار الحاسم بقدر ما يسعى إلى نزع الطمأنينة من الخصم. في هذا النموذج، لا تحتاج إلى تدمير الأسطول المقابل؛ يكفي أن تجعل تحركه مخاطرة مفتوحة، وأن ترفع تكلفة القرار العسكري إلى مستوى غير قابل للتحمل سياسيًا واقتصاديًا.
هذا لا يعني أن عصر القطع البحرية الكبرى قد انتهى، ولا أن حاملات الطائرات فقدت قيمتها. لا تزال الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا كاسحًا، لكن ما تغيّر هو بيئة التشغيل. في ممر ضيق كهرمز، حيث المسافات قصيرة وزمن الاستجابة محدود والتهديدات متعددة ومنخفضة التكلفة، لم يعد التفوق وحده كافيًا لضمان الأمان. التفوق باقٍ، لكن الحصانة انتهت.
بهذا المعنى، لم تصبح إيران قوة مهيمنة، لكنها أتقنت صياغة ردع من نوع مختلف: ردع لا يمنع الحرب فقط، بل يجعلها خيارًا غير عقلاني. هي لا تهزم خصمها مباشرة، بل تدفعه إلى التردد، إلى الحساب الزائد، إلى التراجع خطوة قبل أن يستخدم قوته الكاملة. هذا هو جوهر الحرب غير المتماثلة: ليس كسر القوة، بل تقييد استخدامها.
في هذا السياق، تبدو تصريحات من نوع “#مشروع_الحرية” التي يطرحها دونالد ترامب محاولة لإعادة تعريف المشهد أكثر من كونها مجرد خطاب سياسي. الهدف ليس فقط تأمين الملاحة، بل استعادة حرية الحركة الاستراتيجية التي تم تقييدها. لكن المعضلة أن أي تحرك محدود قد لا يكون كافيًا لكسر معادلة الردع، بينما أي تصعيد واسع يحمل خطر الانفجار الإقليمي الشامل. النتيجة أن إيران لا تمنع الولايات المتحدة من الفعل، لكنها تفرض عليها سقفًا مرتفعًا جدًا لاتخاذ القرار.
هل يعني ذلك أننا أمام “عصر إيراني”؟ ليس بعد. لكن المؤكد أننا أمام مرحلة لم تعد فيها الهيمنة الأحادية تعمل بنفس الكفاءة. ما قدمته إيران ليس نموذج هيمنة، بل نموذج إزعاج استراتيجي عالي الفعالية—نموذج يمكن تكراره من قوى أقل بكثير من حيث الموارد، لكنه قادر على إرباك قوى أكبر بكثير من حيث الإمكانات. وهنا يكمن التحول الأخطر: القوة لم تعد حكرًا على من يملك الأكثر، بل على من يعرف كيف يعطّل الآخر بأقل تكلفة.
في المقابل، يظهر #العالم_العربي خارج هذه اللحظة التحولية، ليس فقط من حيث القوة، بل من حيث الرؤية. المشكلة لم تعد في ضعف الموارد، بل في غياب تعريف واضح للمصالح، وغياب مشروع استراتيجي موحد، والاعتماد المزمن على مظلات خارجية. في عالم يعيد تعريف قواعد القوة، يبدو العرب في موقع المتلقي للنتائج، لا المشارك في صناعتها.
#إيران لم تسيطر على مضيق هرمز، لكنها نزعت عنه اليقين. لم تُسقط التفوق الأمريكي، لكنها قيّدت حركته. لم تبدأ عصرًا عالميًا جديدًا، لكنها دشّنت نمطًا مختلفًا من القوة: قوة لا تحكم العالم، لكنها تمنع الآخرين من حكمه بسهولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى