كتاب وشعراء

قراءة نقدية في نص: ” نبض الريشة” للأديبة: نجاح الدروبي.. بقلم الناقد القدير: ماجد القيسي

نبضُ الريشةِ
بقلم نجاح الدروبي

جَمِيلَةٌ تَعْشَقُ الأَلْوَانَ فِي شَغَفٍ
وَتَرْتَجِي عَالَمًا بِالْحُسْنِ يَزْدَهِرُ

تَقُودُهَا فِكْرَةٌ مِنْ نَسْجِ رُوحِهَا
وَالنُّورُ مِنْ رِيشَةٍ بِالنَّبْضِ تَنْصَهِرُ

وَإِنْ بَكَتْ أَطْلَقَتْ فَوْقَ الْمَسَاءِ أَسَىً
وَإِنْ بَسَمَتْ تَوَهَّجَ فِي مَحَاسِنِهَا الصُّوَرُ

تُرَاقِصُ الأَلْوَانَ فِي لَوْحَاتِهَا فَرَحاً
فَيُنْبِتُ الحُبُّ مَوَّاراً وَيَنْتَصِرُ

وَتَرْسُمُ الآمَالَ فِي آفَاقِهَا أَلَقاً
لِيُشْرِقَ الفَجْرُ بَسَّاماً وَيَبْتَكِرُ

تَمْزِجُ مِنْ حِسِّهَا العِطْرِيِّ نَفْحَتَهُ
فَيَفْرُشُ النُّورَ فِي الدُّنْيَا وَيَنْتَشِرُ

وَتُودِعُ السِّرَّ فِي أَطْرَافِ رِيشَتِهَا
لِتَخْلُقَ السِّحْرَ لَا خَوْفٌ وَلَا حَذَرُ

تَمْلَأُ الْبَيَاضَ سَنًا بِالْعُمْقِ تَصْنَعُهُ
وَتَجْعَلُ الْغَيْمَ فَوْقَ الْأُفْقِ يَنْتَشِرُ
2026/10/1

قراءة النص الشعري بقلم الناقد المبدع: ماجد القيسي:

يفتح عنوان «نبض الريشة» على علاقة خاصة بين البطلة وفعلها الفني، ويهيئ منذ البداية لحضور الريشة بوصفها جزءًا من تجربتها لا مجرد أداة للرسم. وتظهر البطلة في مطلع القصيدة شخصية مشدودة إلى الفن: «جميلةٌ تعشقُ الألوانَ في شغفٍ / وترتجي عالمًا بالحسنِ يزدهرُ». ثم تأتي عبارة «تقودُها فكرةٌ من نسجِ روحِها» لتربط فعلها الفني بعالم داخلي يتشكل قبل أن يظهر في اللوحة.
وتتضح شخصية البطلة من خلال أفعالها المتتابعة: تعشق، وترتجي، وتراقص، وترسم، وتمزج، وتودع، وتخلق. وهذا الحضور الفعلي يجعلها مركز الحركة في القصيدة؛ فهي لا تقف خارج عالمها لتصفه، وإنما تشارك في تشكيله. ويبرز ذلك خصوصًا في: «وإن بكتْ أطلقتْ فوقَ المساءِ أسًى / وإن بسَمتْ توهّجَ في محاسنِها الصُّوَرُ»، حيث تتجاور حالتان وجدانيّتان وتجد كل منهما طريقها إلى الصورة.
وتكشف عبارة «وتودعُ السرَّ في أطرافِ ريشَتِها» عن جانب أكثر هدوءًا في شخصيتها. فالسر لا يُقال، وإنما يُترك في الريشة، لتصبح اللوحة حاملةً لجزء من التجربة دون أن تستنفدها اللغة. وفي المقابل، تأتي «لتخلقَ السحرَ لا خوفٌ ولا حذرُ» بنبرة أكثر جرأة، فتجمع الشخصية بين رهافة الإحساس والقدرة على المضي في فعلها الفني.
وتظهر نظرتها إلى العالم في قولها: «وترسمُ الآمالَ في آفاقِها ألقًا / ليُشرقَ الفجرُ بسّامًا ويبتكرُ». فالآمال تدخل في فعل الرسم، والفجر يُمنح قدرة على الابتكار، بما يجعل الخيال عنصرًا أساسيًا في تشكيل رؤيتها. ولا يقتصر هذا التشكيل على الرؤية البصرية؛ إذ تتداخل الحواس في «تمزجُ من حسِّها العِطريِّ نفحتَهُ»، بينما تتجسد الأشياء في «تراقصُ الألوانَ» و«ليُشرقَ الفجرُ بسّامًا ويبتكرُ». وبهذه الوسائل تتسع اللوحة عن حدود المشاهدة المباشرة.
أما «الريشة» في العنوان والنص فتظل مركزًا دلاليًا مهمًا، لأنها ترتبط بما تخفيه البطلة وما تختار إظهاره. وهي أيضًا نقطة التقاء بين «نسجِ روحِها» و«اللوحة»، دون أن تحتاج القصيدة إلى شرح هذه الصلة بصورة مباشرة.
وعلى المستوى الإيقاعي، تنتظم الأبيات في بناء عمودي ذي قافية موحدة بالراء، ويمنح تتابع الأفعال النص حركة متصلة. وفي البيت الأخير: «تملأُ البياضَ سنًا بالعُمقِ تصنعُهُ / وتجعلُ الغيمَ فوقَ الأفقِ ينتشرُ»، تصل القصيدة إلى صورتها الأخيرة، حيث تظل الريشة حاضرة في أثر ما تركته البطلة، بينما يبقى جزء من تجربتها مفتوحًا على التأويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى