د ميخائيل عوض يكتب : الضحية كبلت نفسها .. مؤشرات كلمة الشيخ .. مؤشرات تمرد في لبنان والعراق .. كسر الحصار عن ايران وخريف أوروبي ساخن !!!

الضحية كبّلت نفسها مؤشرات كلمة الشيخ… مؤشرات «تمرد» في لبنان والعراق… كسر الحصار عن إيران، وخريف أوروبي ساخن !!
ميخائيل عوض / لبنان
ليس كل سكونٍ يعني سلاماً، وليس كل انخفاضٍ في الضجيج السياسي والعسكري مؤشراً إلى انتهاء الحرب. أحياناً تكون اللحظات التي تبدو فيها الساحة أقل صخباً هي الأكثر دلالة، لأنها تسمح بقراءة ما تركته الجولات السابقة من نتائج وتحولات، وما بدأت ترسمه تلك النتائج للمراحل المقبلة.
من هذا المنطلق، للمشهد الراهن من سؤال أساسي :
هل نحن أمام سكون ما قبل العاصفة، أم أن العالم بدأ فعلاً يتجه نحو تخفيف الحروب والانتقال إلى مرحلة أكثر هدوءاً؟
لا جواباً جاهزاً، بل نعود إلى المنهج القائم على التفكير التفاعلي، وقراءة التفاصيل الصغيرة باعتبارها مؤشرات على تحولات أكبر. فالعالم، في رؤيتنا ، يعيش في قرية كونية شديدة التسارع، وما يبدو حدثاً جزئياً أو تفصيلاً عابراً قد يكون في الحقيقة تجلياً مبكراً لنتائج جولات كبرى من الحرب والصراع.
ومن هنا، نرى أن المعطيات المتراكمة ما تزال ترجّح احتمال أن يكون هذا الهدوء سكوناً يسبق عاصفة جديدة، وأننا ربما نعيش بالفعل أيام هذه العاصفة، وإن لم تظهر بعد في شكل حدث واحد حاسم ومعلن.
*أولاً: الحرب لم تنتهِ… وإنما انتقلت إلى مرحلة جديدة*
إن إحدى أهم ساحات اختبار المرحلة الجديدة هي لبنان، حيث تتكشف، بحسب قراءتنا، نتائج الجولات السابقة بصورة أكثر وضوحاً.
فالساحات التي شهدت الحرب ــ غزة ولبنان وسوريا والضفة ــ لا يمكن النظر إليها منفصلة، بل ينبغي فهمها باعتبارها أجزاء من مسرح واحد تتداخل فيه النتائج والحسابات.
«ضحية مكبّلة» في مواجهة «معتدٍ متوحش».
لكن السؤال المطروح هو : لماذا بقيت الضحية مكبّلة؟
في تقديرنا، قد لا يكون الأمر دائماً نتيجة العجز، وإنما قد يرتبط أحياناً بإدارة الحرب نفسها، وبما يسميه «استراتيجية التمسكن للتمكن»؛ أي أن تتراجع القوة أو تتجنب المواجهة في لحظة معينة، ليس استسلاماً، وإنما بهدف إدارة الظروف والتحضير لما بعدها.
*«الضحية كبّلت نفسها»… ماذا قرأنا في كلام الشيخ؟*
نربط هذه الفكرة بما ورد في كلمة الأمين العام في الذكرى الثانية لرحيل السيد حسن نصرالله، حيث نرى أن الخطاب حمل إشارات إلى استمرار النهج والاستعداد لمراحل مقبلة.
فالحديث عن البقاء على العهد، والاستمرار في الطريق مهما كانت الكلفة، لا نراه مجرد خطاب تذكاري، وإنما رسالة سياسية وعسكرية تحمل معنى الاستعداد.
ونقرأ في استعادة أحداث الأشهر السابقة، والحديث عن المفاجآت، احتمالاً بأن تكون هناك رسالة غير مباشرة للجمهور والخصوم معاً:
ما جرى لم يكن نهاية المسار، والاستعداد يجب أن يبقى قائماً.
ونضيف إلى ذلك توصيفاً لواقع النازحين وآليات الإيواء، والاعتماد على الإمكانات الذاتية وعدم تعليق مصير الناس على الدولة أو السلطة، نعتبر أن مجموع هذه الإشارات يوحي، في قراءتنا بأن هناك جهداً مستمراً للتحضير لجولات جديدة، وربما لجولات قد تأتي بمبادرة من قوى الميدان نفسها.
*من تعدد الجبهات إلى «هيئة أركان واحدة»؟*
أحد الاستنتاجات الأساسية التي نطرحها هو أن الحرب، في نظرنا وصلت إلى مرحلة باتت فيها الجبهات مترابطة بصورة أكبر من السابق.
فبدلاً من أن يتم التعامل مع غزة ولبنان وسوريا وغيرها كجبهات منفصلة يمكن استفراد كل واحدة منها على حدة، نرى أن التجربة السابقة أظهرت خطورة ترك كل ساحة تواجه مصيرها منفردة.
ومن هنا نطرح فكرة أن الحرب باتت تحتاج إلى تنسيق وتناغم بين مختلف الجبهات، لأن ما حدث سابقاً ــ وفق قراءتنا ــ هو أن إسرائيل تمكنت من الانتقال من جبهة إلى أخرى: غزة ثم لبنان ثم سوريا، مستفيدة من غياب التزامن الكامل بين الساحات.
والدرس الذي نستخلصه هو أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكرر هذه التجربة.
*لبنان: هل بدأ «التمرد من داخل المؤسسة»؟*
من أكثر الملفات التي نتوقف عندها ما جرى في لبنان حول مشاركة العميد مرشد سليمان في إحياء ذكرى السيد حسن نصرالله.
ونرى أن أهمية الواقعة، في حال صحة صدور أمر بمنع الضباط وممثلي الأجهزة من المشاركة، تتجاوز الشخص نفسه إلى السؤال عن حدود المؤسسة العسكرية أمام السلطة السياسية، وعن معنى الالتزام بقيم المؤسسة والمجتمع والدولة.
ونصف موقف الضابط بأنه نموذج لما يعتبره «كسر القرار الجائر»، ونرى فيه تمسكاً بمفهوم مختلف للالتزام العسكري.
فالمؤسسة، في نظره، ليست مجرد أوامر إدارية، وإنما أيضاً قسم وكرامة ومسؤولية تجاه المجتمع.
ولهذا نرفع شعاراً واضحاً:
> «الكرامة لا تتجزأ»
ومن هنا نعتبر أن الرجل الذي اتخذ هذا الموقف يستحق التحية، وأن التعامل معه ينبغي ألا يكون بالطريقة التي نرى أنها اتُّبعت سابقاً مع رجال آخرين اتخذوا مواقف مشابهة.
وفي هذا السياق قضية قاضٍ، ووزير الإعلام السابق جورج قرداحي، لنحذر من تكرار ما نعتبره نموذجاً للتخلي عن رجال الدولة والمؤسسة عندما يتعرضون لضغوط خارجية.
*«تمرد» أم الالتزام الحقيقي بالمؤسسة؟*
نصل هنا إلى مفارقة نعتبرها جوهرية:
قد يبدو موقف الضابط تمرداً على أمر صادر من السلطة، لكنه، من وجهة نظر عوض، يمثل التزاماً أعمق بالمؤسسة وقيمها وقوانينها وبالانتظام الوطني.
وهنا نطرح السؤال:
من أعطى الأمر؟ وما هو أساسه؟ وهل هو منسجم مع قوانين المؤسسة وقواعد الدولة والمجتمع؟
وبحسب القراءة ، فإن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الأمر يتعلق بتمرد أم بموقف يعتبره هو دفاعاً عن المعنى الحقيقي للمؤسسة.
ونذهب أبعد من ذلك حين نعتبر أن حماية الرجال الذين يتخذون مثل هذه المواقف تصبح مسؤولية، وأن التخلي عنهم في ظروف كهذه قد تكون له نتائج أكبر من الواقعة نفسها.
*لبنان في مرحلة «خفض الاشتباك»… أم الاستعداد للجولة المقبلة؟*
لا نرى أن الهدوء النسبي في لبنان يعني انتهاء الصراع.
بل يستخدم تعبير «خفض الاشتباك» لوصف المرحلة الحالية، ويربطها باحتمالين: تمرير الوقت، وكسب الوقت.
وفي كلا الحالتين، يبقى الاستعداد للجولة المقبلة حاضراً في الحسابات.
وهنا نعود إلى الفكرة المركزية في القراءة .
السكون لا يعني بالضرورة السلام.
فقد يكون الهدوء مجرد مساحة زمنية تستخدمها الأطراف لإعادة تنظيم صفوفها، وقراءة موازين القوى، والاستعداد لما بعده.
*فلسطين: الضفة على طريق أن تصبح «غزة ثانية»؟*
ننتقل من لبنان إلى الضفة الغربية، حيث نرى أن الاعتداءات والاستيطان ومحاولات فرض وقائع جديدة تتواصل.
وفي قراءتنا ، فإن الخطر لا يقتصر على استمرار العمليات، بل يتصل بمحاولة تحويل الضفة إلى واقع شبيه بما جرى في غزة.
وفي المقابل، ننتقد أداء السلطة الفلسطينية وأجهزتها، نعتبر أن الرهان لا ينبغي أن يكون على استمرار التنسيق مع إسرائيل، وإنما على المجتمع والقوى الفاعلة والرجال والماجدات الذين يرون أنهم يحملون مشروع المقاومة والصمود.
*الانتخابات الإسرائيلية… ومحاولة إقصاء الوجود العربي*
نربط بين التطورات الفلسطينية والسياسة الداخلية الإسرائيلية، متوقفاً عند الانتخابات الإسرائيلية المنتظرة وما نراه محاولة لإقصاء و استبعاد الحضور العربي الفلسطيني.
ونشير إلى أن العرب يمثلون نسبة كبيرة من سكان فلسطين المحتلة، ونرى أن الصراع حول تمثيلهم ومشاركتهم السياسيّة يمكن أن يتحول إلى ورقة مؤثرة في المعركة الانتخابية.
وفي الوقت نفسه، نضع ذلك ضمن سياق أوسع يتعلق بأزمة السردية الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي.
*من الأمم المتحدة إلى الشارع الإسرائيلي: «انحسار السردية»*
نعتبر أن التحولات التي ظهرت في الأمم المتحدة، وفي مواقف بعض الدول والنخب، تعكس تراجعاً في قدرة إسرائيل على تقديم نفسها بالصورة التي اعتادت تسويقها.
ونربط ذلك أيضاً بما يصفه بارتفاع مستوى الانتقاد داخل المجتمعات الغربية، وبظهور أصوات يهودية تؤكد أن:
اليهودية ليست بالضرورة الصهيونية، وأن اليهودية ليست إسرائيل، وأن سياسات حكومة نتنياهو لا تمثل بالضرورة اليهود جميعاً.
ونعتبر أن هذا التفريق، في حد ذاته، يحمل أهمية فكرية وحضارية كبيرة، لأنه يكسر ـ الربط الذي جرى بناؤه لسنوات بين اليهودية وإسرائيل والصهيونية.
*تسريبات 7 أكتوبر… هل تتغير الرواية؟*
نتوقف عند الأنباء التي تحدثت عن تحذيرات مصرية وإماراتية مسبقة لإسرائيل بشأن هجوم 7 أكتوبر.
ونطرح مجموعة من الأسئلة حول توقيت ظهور هذه المعلومات ودلالاتها السياسية والانتخابية.
فإذا ثبتت هذه الروايات، فإنها تعيد فتح النقاش حول الرواية الإسرائيلية بشأن ما حدث في 7 أكتوبر، وتضع علامات استفهام على مجموعة من الاتهامات التي استخدمت سابقاً في توصيف الحدث في اتهام مجحف للمقاومة.
كما نرى أن توقيت التسريبات قد يكون مهماً في سياق الانتخابات الإسرائيلية، لأنها تضيف، في تقديرنا إلى الضغوط السياسية على بنيامين نتنياهو.
*نتنياهو في الإمارات: المال والحرب والانتخابات*
ننتقل إلى زيارة نتنياهو للإمارات، التي نصفها بأنها زيارة تحمل أكثر من احتمال.
ومن بين ما نطرحه:
البحث عن دعم مالي.
البحث عن فرص سياسية.
بحث إمكانية القيام بعمل عسكري منفرد ضد إيران.
استخدام حالة الحرب والطوارئ كعامل في المعادلة الانتخابية.
ولا نتعامل مع السيناريو الأخير باعتباره حقيقة واقعة، وإنما نضعه ضمن الاحتمالات التي نرى ضرورة إبقائها على جدول المتابعة.
ففي رأينا ، يمكن للحرب أن تعيد ترتيب الحسابات الانتخابية، وقد تستخدم حالة الطوارئ لتغيير شروط العملية السياسية.
*غزة أطلقت حركة ثورية عالمية*
نرى أن ما جرى في غزة لم يبقَ محصوراً في حدود المعركة العسكرية، وإنما أنتج حركة سياسية وشعبية وفكرية عالمية.
ونصف هذه الحركة بأنها «ثورية أممية شابة»، ونعتبر أنها أسهمت في زيادة عزلة إسرائيل وإنتاج توترات بينها وبين حكومات ودول مختلفة.
ونشير إلى قرارات تتعلق بالممثليات الدبلوماسية، وإلى تزايد الضغوط على إسرائيل، ونرى أن المسار يذكره بالتجربة التي عاشتها جنوب إفريقيا في مرحلة النضال ضد نظام الفصل العنصري.
*من جنوب إفريقيا إلى فلسطين: هل يتكرر المسار؟*
نقيم مقارنة بين تجربة جنوب إفريقيا ومسار القضية الفلسطينية.
ونستحضر مراحل بدأت فيها الدول بفرض قيود على منتجات المستوطنات، ثم اتسعت الخلافات مع الدولة التي كانت تمثل النظام العنصري، وصولاً إلى تغير مواقف دول وحكومات.
ونرى أن بعض المؤشرات التي ظهرت في الحالة الفلسطينية تشبه، من حيث الاتجاه العام، بعض المراحل التي سبقت التحولات الكبرى في جنوب إفريقيا.
لكننا نربط هذه التحولات أساساً بما نسميه «فاعل المقاومة» و«فاعل الصمود»، وبما نعتبره الإنجازات التي أنتجتها الحرب في غزة ولبنان.
*إيران: الحرب لم تكن عسكرية فقط*
ننتقل إلى إيران، نعتبر أن إحدى أهم نتائج الجولة الأخيرة ظهرت في الدبلوماسية والعلاقات الدولية والحضور في الأمم المتحدة واتساع شبكة العلاقات.
ومن وجهة نظرنا ، فإن الحرب أظهرت، في المقارنة بين الطرفين، من الذي يتقدم ومن الذي يتراجع.
ونصف السياسة الإيرانية بأنها اتسمت بالصبر والطبخ الهادئ، مقابل صورة مختلفة لإسرائيل التي نصف تحركها بأنه كان أكثر استعجالاً.
ونشير إلى أن إيران قدمت مبادرات دبلوماسية أثناء الحرب، بينما رفضها ترامب. ما يعقد المشهد الدولي والداخلي أمام ترامب.
*النفط والاقتصاد الأميركي… عامل إضافي في الانتخابات النصفية*
نربط بين الحرب والاقتصاد الأميركي، نتوقف عند وعود سياسية قيلت حول انخفاض أسعار النفط بعد انتهاء الحرب.
لكن، بحسب قراءتنا، جاءت التطورات بصورة مختلفة مع ارتفاع الأسعار.
ونعتبر أن استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد النفطية يمكن أن يصبح أحد العناصر المؤثرة في الانتخابات النصفية الأميركية، مع إبقاء احتمال آخر في الحساب: أن يذهب الرئيس الأميركي إلى تصعيد عسكري كبير.
لكننا نطرح في المقابل سؤالاً حول ما إذا كان هذا التصعيد يمكن أن يبرر تأجيل الانتخابات أو يمنع إجراءها، ونرى أن ذلك سيبقى موضوعاً للمتابعة.
*«الصورة تحت الماء»… إيران تعلن عن قدرة بحرية جديدة*
نتوقف عند ما نصفه بحدثين نوعيين في السياق الإيراني.
الأول يتعلق بالقدرات البحرية الإيرانية؛ وتحديداً الحديث عن استيلاء البحرية الإيرانية و الحرس الثوري على غواصة مسيرة ومنظومة عائمة مسيرة أمريكية.
ونرى في هذه التطورات مؤشراً على امتلاك القدرة التقنية والعسكرية، وعلى انتقال إيران ــ في تقديرنا ــ إلى مستوى أكثر تقدماً في التعامل مع المجال البحري.
ونذهب إلى أبعد من ذلك حين نربط هذه العمليات بإمكانات الهندسة العكسية، وباحتمال استفادة دول مثل روسيا والصين وكوريا والهند من دراسة التكنولوجيا العسكرية الأميركية التي تقع في يد الإيرانيين.
ومن هنا نخلص إلى أن المعركة ليست فقط معركة منصات وسلاح، وإنما أيضاً معركة تكنولوجيا ومعرفة وقدرة على التعلم من السلاح المعادي.
*هرمز: من يملك القدرة على التحكم بالممر البحري؟*
في القراءة، يمثل مضيق هرمز نقطة أساسية في ميزان القوة.
فإذا كانت إيران قادرة على العمل تحت الماء وفوقه، وعلى امتلاك وسائل مراقبة واستطلاع وهجوم بحرية متطورة، فإن الحديث عن ضمان حرية الملاحة وتأمين تدفق النفط لا يمكن أن ينفصل عن سؤال آخر:
من يملك القدرة الفعلية على التحكم بالمجال البحري؟
ومن هنا نرى أن التطورات البحرية الإيرانية تكشف جانباً من ميزان القوة الذي لا يظهر دائماً في التصريحات السياسية.
*كسر الحصار الجوي الإيراني؟*
أما التطور الثاني الذي نراه مهماً، فيتعلق بالحركة الجوية الإيرانية.
فبحسب المعطيات التي نستند إليها في القراءة ، ما زالت الطائرات المدنية الإيرانية تقلع وتهبط، وما زالت عشرات الدول والمطارات تستقبلها، رغم الضغوط الأميركية.
ونرى أن استمرار الحركة الجوية مع دول مثل ماليزيا والصين وغيرها، ورفض بعض الدول الالتزام بالضغوط الأميركية، يمثل في قراءتنا كسراً عملياً للحصار الجوي.
ونعتبر أن المسألة تتجاوز إيران نفسها، لأنها تكشف عن دور القدرة الأميركية على فرض قرار واحد على النظام الدولي.
*العراق: «تمرد شعبي» قد يغير المعادلة*
لكن التطور الذي نمنحه مساحة واسعة في القراءة هو العراق.
نتحدث عن «تمرد شعبي» نرى أن مقدماته ظهرت عبر مواقف الفصائل والحراك الشعبي والمرجعيات، ويربط ذلك بقرار إغلاق مطار النجف أمام الزائرين الإيرانيين.
ونعتبر أن رد الفعل العراقي على القرار يحمل دلالة تتجاوز المطار نفسه.
ففي تقديرنا، إذا كان قرار الإغلاق قد صدر استجابة لضغط أميركي، ثم أدى إلى تحرك المرجعيات والكتل والقوى العراقية، فإن مجرد التراجع عن القرار يمكن أن يشكل سابقة سياسية مهمة.
*مطار النجف: حدث صغير أم نقطة تحول؟*
نرى أن احتمال إعادة فتح مطار النجف خلال فترة قصيرة، تحت ضغط التطورات والاحتقان، يحمل دلالة على اختلال في ميزان القوى.
فالمسألة، في رأينا ليست قضية مطار فقط، وإنما اختبار لمن يملك الإرادة على اتخاذ القرار داخل العراق.
ومن هنا نذهب إلى أن العراقيين يستطيعون، إذا استثمروا هذه اللحظة، استعادة مساحة أكبر من القرار الوطني.
ونقول إن استعادة العراق لسيادته وثرواته ودوره الإقليمي يمكن أن تنتج عنها تحولات واسعة في سوريا والمنطقة، وأن تحقيق مكاسب سياسية تدريجية قد يكون أقل كلفة من انتظار انفجار أكبر.
*«طرد الأميركي من العراق وسوريا»… الرهان على التحول الداخلي*
نعود إلى الفكرة التي طرحها مراراً في قراءتنا السابقة: أن إخراج القوات الأميركية من العراق وسوريا، وفتح الطريق أمام تحرير فلسطين، يغير معادلة المنطقة دون الحاجة إلى حرب شاملة.
ونستحضر في هذا السياق وصية السيد حسن نصرالله سيد الأمة الأغر وإمامها الأعظم من دعوة إلى إخراج الأميركي من العراق وسوريا وتحرير فلسطين.
ونرى أن هذه المعادلة، لو تحققت، كانت ستغير ظروف غزة والضفة ولبنان وسوريا وإيران في وقت واحد. وفرصتها وافرة اليوم.
*لماذا يبقى العراق تحت هذا المستوى من الضغط؟*
هنا نطرح سؤالاً سياسياً مباشراً:
إلى متى ولماذا ستبقى السياسة العراقية تدار بهذه الطريقة؟
ونعتبر أن العراقيين يملكون الحق في السؤال، وأن القوى التي خاضت الحرب تملك أيضاً حق اتخاذ القرار ضمن قواعد ومعادلات جديدة.
ونرى أن الحراك والبيانات والمواقف، إذا اقترنت بفهم دقيق لموازين القوى، يمكن أن تمنع سيناريو انهيار الحكومة أو تفكك الدولة، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام تراجع النفوذ الأميركي.
والهدف الذي نضعه في نهاية هذا المسار هو:
عراق سيد، حر، يدير شؤونه بعيداً عن الهيمنة الأميركية.
*البحر الأحمر واليمن: جبهة لا ينبغي إهمالها*
ننتقل كذلك إلى البحر الأحمر واليمن، نيرى أن أهمية هذه الجبهة مركزية وأساسية، وأن فهم ما يجري فيها يحتاج إلى قراءة تراكمية لا تكتفي بالحدث العسكري المباشر.
وفي رؤيتنا، فإن تفاعل جبهات البحر الأحمر واليمن والعراق وسوريا ولبنان وإيران يمكن أن يؤدي إلى تغيير أوسع في المعادلة الإقليمية.
*«خريف أوروبا سيكون ساخناً»*
نوسّع دائرة التحليل نحو أوروبا.
ونطرح احتمال أن يكون «خريف أوروبا ساخناً» نتيجة اضطرابات اجتماعية وتوترات سياسية واقتصادية، مع إبقاء احتمال احتكاكات عسكرية في الحساب.
ونضع سيناريو التصعيد بين روسيا والاتحاد الأوروبي ضمن الاحتمالات التي يجب مراقبتها، وإن كنا نصف احتمال الاشتباك المباشر بأنه أقل ترجيحاً من السيناريوهات الأخرى في اللحظة الراهنة.
كما نرى أن روسيا قد لا تكون مستعجلة للدخول في مواجهة مباشرة، وأنها قد تفضّل انتظار نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية قبل اتخاذ قرارات أكبر.
*البيئة الدولية في غير صالح واشنطن وتل أبيب؟*
الخلاصة التي نصل إليها من مجموع هذه الملفات هي أن البيئة الاستراتيجية، بحسب قراءتنا، أصبحت أكثر تعقيداً بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.
فهو يجمع في لوحة واحدة:
تطورات لبنان.
استمرار المقاومة في فلسطين.
التحولات في الرأي العام العالمي.
تراجع احتكار السردية الإسرائيلية.
التطورات الدبلوماسية الإيرانية.
القدرات البحرية الإيرانية.
استمرار الحركة الجوية رغم الضغوط.
الحراك العراقي.
احتمالات تراجع النفوذ الأميركي في بغداد.
البحر الأحمر واليمن.
التوترات الأوروبية.
والانتخابات الأميركية والإسرائيلية.
وبالنسبة لنا ، فإن قيمة هذه المؤشرات لا تكمن في كل حدث منفرد، وإنما في تفاعلها مع بعضها بعضاً.
فالحدث الصغير، عندما يتكرر في أكثر من ساحة، قد يتحول إلى اتجاه استراتيجي.
*لا تستعجلوا النهاية… لكن لا تقدموا تنازلات*
في ختام قراءتنا ، لا ندعو إلى القفز إلى استنتاجات نهائية، وإنما إلى الاستعداد.
فالمرحلة، بحسب رؤيتنا، ليست مرحلة تقديم التنازلات، بل مرحلة مراقبة موازين القوى واستثمار التحولات.
ولهذا يكرر فكرة أساسية:
«استعدوا… المعطيات والبيئة والظرف كله في غير صالح أميركا وإسرائيل».
وهو نرى أن الشعوب والمثقفين والمراقبين يريدون الخلاص، لكن استعجال النتائج لا ينبغي أن يؤدي إلى أخطاء استراتيجية.
المطلوب، في منطقه، هو قراءة التحولات، فهم الفرص، واستثمار الاختلالات التي ظهرت في موازين القوى.
*الخلاصة: السكون ليس نهاية الحرب*
في نهاية القراءة نعود إلى نقطة البداية.
هل انتهت الحرب؟
هل نحن أمام مرحلة سلام؟
أم أن الهدوء الحالي ليس سوى سكون ما قبل العاصفة؟
إجابته المنهجية لا تأتي من حدث واحد، بل من تجميع عشرات المؤشرات الصغيرة والكبيرة.
لبنان أمام اختبار المؤسسة والدولة والقرار والتحرير.
فلسطين أمام استمرار المواجهة ومحاولات فرض وقائع جديدة في الضفة واحتمال طوفان قادم من الضفة.
إسرائيل تواجه أزمة في السردية والصورة الدولية.
إيران تحاول تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب دبلوماسية وتقنية وعسكرية.
العراق أمام اختبار السيادة والقدرة على انتزاع القرار.
مطار النجف يتحول من قضية إدارية إلى اختبار سياسي.
البحر الأحمر واليمن مركز معادلة الصراع.
وأوروبا تدخل خريفاً يحمل احتمالات اضطراب اجتماعي وسياسي متزايد.
وفي الخلفية كلها، تقف الانتخابات الأميركية والإسرائيلية كعامل إضافي يمكن أن يعيد تشكيل حسابات أطراف الصراع.
لذلك، فإن ما يبدو هدوءاً قد لا يكون هدنة نهائية، بل مرحلة إعادة تموضع واستعداد.
وفي منهجنا، لا تكمن أهمية المرحلة في معرفة موعد «العاصفة» بقدر ما تكمن في فهم ما الذي تغيّر قبل وصولها، ومن الذي راكم عناصر القوة، ومن الذي اضطر إلى إعادة حساباته، وما هي الفرص التي باتت متاحة أمام شعوب المنطقة.
فالأحداث التي تبدو صغيرة في زمن القلق قد تكون، في الحقيقة، أول تجليات نتائج الحروب الكبرى.
ومن هنا يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نحن أمام سكون ما قبل العاصفة… أم أمام ولادة ميزان قوى جديد؟
🖊 ميخائيل عوض