كتاب وشعراء

غَرِّدْ يا عصفورُ…بقلم طاهر عرابي

غَرِّدْ يا عصفورَ غزّةَ،
غَرِّدْ يا عصفورَ النور.
شمسُك تسطع، وصوتُك يلمع،
وجناحُك ظلُّ الحضورِ على الوجوه؛
لولاك لقلنا إنَّ القدرَ غابَ عنّا،
وإنَّ الحلمَ اندثر.

سقطَ حمارُ الطينِ على خاصرته،
فأنجبَ مخلوقًا غريبًا،
أشباهَ ضفادعَ رخوةٍ تقفزُ في القصور.

غطّتْهم غزّةُ بالدخانِ والقنابل،
فبانتْ رموشٌ بلا عيون،
تبحث عن مأوى من نظراتِ الملايين…
فلم تجدِ الفرارَ في ممالكِ الغبار.

سمعوا عصفورَ غزّةَ،
فقلبوا الكلام،
وظنّوا أنَّ نارَ القوّةِ تمنحهم
ألقابَ سلاطينَ، وصوتًا مخنوقًا بالغرور.

ابتلعوا ألسنتَهم،
فصار الكلامُ لا يخرج
إلّا عبرَ وكيلٍ مأجور.

غَرِّدْ يا عصفورُ،
فكلُّ الأشجارِ منازل،
وكلُّ البلادِ فضاء.
نومُ الغافلينَ مخلوطٌ بالهوان،
حتى يثورَ التنّورُ من تحتهم،
ويفيضَ البئرُ بماءِ السيل.
ستراهم يزحفون.

غَرِّدْ يا عصفورُ،
واسمعْ جوعَ أطفالِ غزّةَ
يمرُّ في الشريانِ حتى الأظافر.
واسمعْ آهاتِ الأمهاتِ من الصدور.
كم حلمَ الكاهلُ بفرحِ أحفاده،
لكنَّ الموتَ سبقه،
فصار وداعُه أقصرَ من صلاةٍ مكتملة،
وصارت جنازتُه أثرًا وانكسارًا.

غَرِّدْ يا عصفورَ غزّةَ،
كيف يقسو الإنسانُ على الإنسان؟
وكيف تُمحى الأحلامُ بنداءٍ يفشل؟

هل تمرُّ رصاصةٌ من قلبِ طفلٍ
حتى تُصيبَ رأسَ المحارب؟
مات الصدقُ في قلبِ الكاذب،
فضاع العصفورُ كشرارةٍ في ريح.

يموتون وكأنّهم
في بقعةٍ سوداءَ من عالمٍ ناظر.

نبكي على أخلاقِنا،
وعلى ما كنّا نقوله للأطفال
في مدارسِهم ونشيدِهم البريء…
ونقول: نحنُ الكبار،
وفي محبتِكم كانت الحياةُ سرورًا.
كيف يتحوّل الحلمُ
إلى طباشيرَ محروقة؟

غَرِّدْ يا عصفورُ،
لقد اكتشفنا هشاشتَنا.
وعشُّك له شرفُه،
والشرفُ قفصٌ لا يُفتح.
غَرِّدْ،
واسمعْ ما نسيه الناسُ
في قلبِ الحصار،
تحت صعودِ الآهات
من شفاهٍ تختنق.

سيختلف الليلُ عن النهار،
وسنرى الحقيقةَ تُصوِّبُ علينا
عينَ طفلٍ مبتور.

غَرِّدْ يا عصفورُ،
فالعالمُ كلُّه مقهور،
والأيدي جميعُها صارت عظمًا مكسورًا.

والعصفورُ فقد أطرافَه
في لغمٍ حقير.

سنلجأ إلى حبٍّ
لم يعشقْ به أحد،
وسنردّد: غَرِّدْ يا عصفورُ… غَرِّدْ.
هذا الحبُّ وُلد في خندق،
وصوتُ الطير فيه قلق،
وللعمى لونٌ رماديٌّ ممزّق.

دريسدن — كتبت في 18.5.2024 | نُقِّحت في 16.05.2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى