
كانَ جدُّنا
يمتهنُ ترقيعَ العذاب،
ويرتدي غيابَ الآخرين
كُلَّما اتَّسعت هاويةٌ
في صدرِ أُمٍّ،
استأجرُوهُ ليلةَ الجمعة
يخلعُ ملامحهُ عند العتبة،
يجلسُ قبالةَ التلفاز،
يحتسي شايهُم بشفاهٍ مستعارةٍ،
ويشتمُ نشرةَ الأخبارِ
بحنجرةٍ محتشدةٍ برمادِ الموتى..
فقط..
كي لا تنهارَ الأمهاتُ دفعةً واحدةً
في بئرِ الصمت
جدَّتُنا..
كانت سمسارةً للأحزان،
تُديرُ مزادًا للخديعة.
كلَّ عصرٍ،
تعجنُ هواءَ البيتِ بروائحِ الفجيعة:
“الليلة.. دخِّن تبغًا رخيصًا،
فثمَّةَ سقفٌ سقطَ على عاملِ بناء،
وعليكَ أن تسعلَ كروحهِ المُتربة”
“وغدًا.. تعطَّر بالطباشير،
فالحروفُ انتحرت على خشبِ السبورة”
كانت تمسحُ حذاءهُ عند الباب،
وتستنشقُ ببلادةٍ حرقَ الثياب،
فرائحةُ احتراقِ العائلاتِ
في مساماتِ قميصه
صرنا نقتسمُ جَدًّا مع المقابر
في الأعياد،
نلتفُّ حول مائدةٍ يتيمة،
نُحدِّقُ في كرسيهِ
الذي يبتلعُ الفراغ،
ونتخيَّلُه في غرفٍ بعيدة،
يمسحُ بيدٍ من شمعٍ
ويلثمُ كلَّ صدعٍ
في قلبِ طفلٍ،
يشتري أُبُوَّتهُ ليلةً واحدةً،
كي لا ينامَ اليُتمُ جائعًا
حتى دهمنا ذلك الشتاء..
وماتَ الجدُّ..
كمن يسقطُ سهواً
من سطرٍ في روايةٍ مجهولة
ليلتها..
طفحَ البيتُ بالمعزّين،
ولمَّا انطفأوا وانصرفوا
لم يبقَ منهم سوى
أعقابِ تبغٍ ردمها الرماد
حينها.. تعرَّى كرسيُّه من الأقنعة،
وبدا الغيابُ جالسًا عليه
بكاملِ هيئته
لكن.. عند حافةِ منتصفِ الليل..
انفتحَ الباب
دخلَ رجلٌ بهدوء،
لكنه لم يخلع حذاءهُ كالمعتاد
كان يرتدي معطفَ الجدِّ
المثقوبَ بالحنين،
ويتوكَّأُ على عكَّازهِ
الذي ورثَ ثقلهُ للتو،
يجرُّ خطواتٍ ليست له،
لكنها صارت قدره
تجاوزنا
دون أن يتعثَّر بنظراتنا المذعورة،
سحبَ كرسيَّ أبيه،
وسمَّرَ جسدهُ فيه،
كمسمارٍ أخيرٍ
في نعشِ الحقيقة
نظرَ أبي إلى جدتي..
وقال بصوتٍ يتهدَّجُ
كأوتارٍ مقطوعة،
مستعيرًا نبرةَ الميت:
“لقد عدتُ يا زوجتي…
هل العشاءُ جاهز؟”
لم تصرخ جدتي..
ابتلعتْ فجيعتها
كما تبتلعُ الأرضُ ظلالنا
سكبت له نصفَ طبق،
مسحت على رأسهِ المنحني،
وهمست بيقينٍ مرعبٍ
يطحنُ عظامَ الوقت:
“تأخرتَ كثيرًا…
يا زوجي.”
عباس علي