غير مصنف

“مشهد من دائرة خبيثة”.. بقلم الكاتب: خالد بوزيان موساوي

جمعَتِ الشمس ما نسجت طيلة النهار من خيوط بمغزل الضوء، وتأهَّبت للمغادرة.
لماذا تغادر ما دامت ستعود في النهار الموالي؟!
وفي ذياك الحين أفرج نور القمر عن مياه اليمِّ لتغطِّي بمدِّها بساطاً من رمال تتبرَّم من شدَّة الملوحة، وكأنَّها تحاكي ضجري من أمواج رتيبة لا تحمل جديداً… فقط تبلّل صفحة يوم من كتاب حياتي دائرة خبيثة!!!..
لم أكن صائماً لكن أبواق عدَّة لأذان صلاة المغرب ذكَّرتني بأنني نسيت أن أتغدَّى… أو بالأحرى ما عدت ألتزم بأوقات الوجبات منذ تمَّت إحالتي على التقاعد النسبي.
أيام خلت كانت لديَّ أسرة، وكنت أضبط ساعتي على مواعد طقوسها اليوميَّة… كان لدي انتماء ملزم، وكنت أتغذى جسدياً وفكرياً ووجدانياً بدفء الأنا الجمعي، ثم سقط سقف الأمان، وتبدَّد كلُّ شيء في رمشة عين… حتى المرايا العاكسة، تنكَّرت لي، اختلطت عليها ملامحي، ولم تعد تقوى على قراءة هويتي في خطوط تجاعيدي.
أشعلت سيجارة لا لإسكات نغمات قرقرة متظلِّمة منبعثة من معدتي؛ بل لأراقب في حركة عبثية سريالية ارتفاع الدخان وهو يُشكِّل ببطء لوحة مرادفة لعملية تبخُّر كياني وأمنياتي وأحلامي… هل هو شعور بالقهر؛ أم بسعادة الحرية؟!.. الأمر سيَّان لمَّا نفقد الإدراك بالحواس الباطنية من حسٍّ مشترك وخيال ووهم وحافظة ومتصرفة….
سابقاً كنت أحاول إنقاذ الجميع من أوهام أو أحلام أو حتى من أخطار حقيقية.. وأصبحت اليوم وحيداً أصبو إلى إنقاذ نفسي من هول محيطي ومنِّي.
وحده الأثير يذكِّرني عبر رنين هاتفي أنَّه مازال هناك من يحبُّني لذاتي ويهتمُّ بحالتي الصحية: الجسدية والنفسية رغم بعد المسافات….
قمت بإسكات احتجاج معدتي بما تيسَّر لسدِّ رمقي، ولأجل احتساء عقاقير بروتوكولات علاجي.. عانقت وسادتي.. هي علبتي السوداء حافظة أسراري… وبدأت أغازل النوم علَّه يزور جفوني، وأرى الشمس في النهار الموالي داخل نفس الدائرة الخبيثة.

خالد بوزيان موساوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى