
لست خبيرًا اقتصاديًا، ولا أكتب من موقع المختصين في نظريات السوق أو نماذج التضخم. ما أقوله هنا هو قراءة سياسية عامة لما نراه في العالم من حولنا، وما نلمسه في حياتنا اليومية حين ترتفع أسعار الوقود.
المفارقة أن الوقود في الدول المستقرة اقتصاديًا يُعد أداة لضبط السوق، أما في الاقتصادات الهشة فيتحول إلى محرّك رئيسي للتضخم…
الحقيقة التي نلمسها جميعاً هي أن البنزين في بلادنا ليس مجرد سلعة تُباع في المحطات، بل هو “الدينامو” المحرك لكل تفاصيل حياتنا.
وحين يتحرك سعره، تبدأ “سلسلة انفجارية” لا تتوقف؛ فالسائق يرفع الأجرة، والمزارع يزيد ثمن الخضار، والمصنع يحمّل تكلفة النقل على المنتج النهائي، ليجد المواطن نفسه في نهاية السلسلة يتلقى كل هذه الصدمات وحده، خاصة في ظل “جنيه” أنهكته القروض فصار أضعف من أن يصد أمواج التضخم العاتية.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً ليست في الغلاء بحد ذاته، بل في “التناقض الصارخ” للخطاب الرسمي الذي يرافقه. ففي الأوقات العادية، حين يرفع تاجر أو سائق سعره بضعة قروش، تخرج التصريحات مهددة بـ “الضرب بيد من حديد” وإحالة “المتلاعبين والجشعين” إلى المحاكمات العسكرية بتهمة ضرب الاستقرار. لكن، حين يأتي الغلاء بقرار رسمي وممهور بختم الدولة، يختفي مصطلح “الجشع” فجأة، ويُستبدل بعبارات منمقة مثل “الإصلاح الهيكلي” و”الضرورات الحتمية”.
هنا يظهر التناقض في أوضح صوره؛ فالدولة التي تضغط على “زناد الغلاء” برفع أسعار الوقود، تكتفي بتقديم “خطوط ساخنة” لتلقي شكاوى المواطنين من السائقين والتجار! وكأنها تضع المواطن في مواجهة المواطن، وتغسل يديها من النتيجة الحتمية لقرارها.
الحقيقة التي لا يمكن حجبها بغربال “المسكنات” هي أن المشكلة ليست فيمن ينقل أثر الزيادة إلى السوق ليعيش، بل في القرار الذي أشعل النار في القش أصلاً. حين يرتفع البنزين في اقتصاد يعاني من ضعف العملة وضغوط التضخم، لا يرتفع الوقود وحده، بل يرتفع سقف الحياة فوق طاقة الناس، وتظل الخطوط الساخنة مجرد صدى لصوت الأزمة، لا علاجاً لجذورها.