رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : حرب يوم القيامة ثنائية الاستنزاف والتدمير اليوم 12 ترامب .. نتنياهو واوي بلع منجل !!!

حرب يوم القيامة ثنائية الاستنزاف والتدمير اليوم 12ترامب – نتنياهو : واوي بلع منجل

ميخائيل عوض  / لبنان

في اليوم 12 تشهد المنطقة  واحدة من أخطر اللحظات الجيوسياسية منذ بداية حرب القيامة فالحرب الدائرة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى اختبار شامل لبنية النظام الدولي وقدرته على الاستمرار بصيغته الأحادية التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
في هذا السياق، إن ما يجري يتجاوز حدود الصراع الإقليمي ليصل إلى مستوى التحول التاريخي في ميزان القوى العالمي. فالمواجهة الحالية تكشف عن مأزق استراتيجي تعيشه الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب وحليفها الأساسي بنيامين نتنياهو مما يجعل استراتيجيتهم في الحرب هي التدمير ، في وقت تبدو فيه إيران قادرة على إدارة الصراع بمنطق استنزاف طويل المدى يهدف إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية والدولية.

*أولاً: الحرب كنقطة انعطاف في ميزان القوى*
إن الحروب الكبرى غالباً ما تشكل نقاط تحول في التاريخ الدولي. فكما أدت الحربان العالميتان إلى إعادة تشكيل النظام العالمي في القرن العشرين، تمثل المواجهة الحالية في الشرق الأوسط لحظة انتقال إلى عالم جديد.
فالولايات المتحدة، التي احتكرت القيادة العالمية منذ تسعينيات القرن الماضي، تواجه اليوم تحديات متراكمة على مستويات متعددة من
الاستنزاف العسكري الممتد نتيجة حروب طويلة في العراق وأفغانستان إلى تراجع القدرة الاقتصادية النسبية أمام صعود قوى كبرى مثل الصين، وما تعانيه انقسام داخلي سياسي واجتماعي يضعف قدرة الدولة على خوض حروب طويلة.
في هذا السياق، تصبح الحرب مع إيران اختباراً حاسماً لمدى قدرة الولايات المتحدة على استبقاء نفسها في تشكيل العالم الجديد ومع ما تعيشه من حالة موت سريري  إن احتمال بقاء أمريكا في المنطقة ضرب من الخيال.

*ثانياً: المأزق الاستراتيجي للقيادة الأمريكية والإسرائيلية*
الوضع الحالي لواشنطن وتل أبيب في مأزق استراتيجي مركب. فالحرب بدأت على أساس فرضية أن الضربة الأولى كفيلة بإضعاف إيران أو دفعها إلى التراجع. إلا أن هذه الفرضية لم تتحقق.
إذ تشير القراءة إلى أن الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية التي اعتمدت على ثلاث ركائز رئيسية؛
– الضربات الجوية المكثفة.
– العمليات الاستخبارية والاغتيالات.
– الضغط النفسي والإعلامي لإظهار التفوق العسكري.
هذه الأدوات لم تؤدِّ إلى انهيار القدرات الإيرانية. بل على العكس، استطاعت طهران امتصاص الضربة الأولى، والحفاظ على قدرتها الصاروخية والعملياتية.
وهنا يظهر جوهر المأزق
فالحرب التي بدأت بهدف استعادة الردع قد تتحول إلى عامل يقوضه. ونتنياهو الذي اقنع ترامب بخطته وقدرته على الحسم جعله “واوي بلع منجل”.

*ثالثاً: استراتيجية إيران في إدارة الصراع*
وفق القراءة تعتمد إيران على استراتيجية تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:
1. *الصبر الاستراتيجي*
لم تسعَ إيران إلى حسم سريع للصراع، بل ركزت على استنزاف خصومها تدريجياً. هذه المقاربة مستمدة من تجارب تاريخية عديدة، أبرزها حرب فيتنام التي أظهرت قدرة القوى الأقل تفوقاً عسكرياً على إلحاق الهزيمة بالقوى الكبرى عبر الاستنزاف.

2. *الاحتفاظ بعناصر المفاجأة*
إن إيران لم تستخدم كل أدواتها العسكرية بعد. فالحرب البحرية، والحرب البرية الواسعة، وتفعيل بعض الحلفاء الإقليميين ما تزال خيارات تنتظر وقتها.

3. *توسيع مسرح العمليات*
بدلاً من حصر المواجهة في جبهة واحدة، تعتمد طهران على شبكة تحالفات إقليمية تمنحها عمقاً استراتيجياً يمتد عبر عدة ساحات. في وحدة جبهات وتنسيق ناري يثبت أن المحور يقرأ الحرب بدقة افتقدها في إسناد غزة وأدت إلى ما تكبده المحور من ضربات قاصمة.

*رابعاً: شبكة الحلفاء كعمق استراتيجي*
تتمثل إحدى أهم نقاط القوة في الاستراتيجية الإيرانية في شبكة الحلفاء المنتشرين في المنطقة، والذين يمكنهم التأثير في مسار الحرب بطرق متعددة.
من بين هؤلاء الحلفاء:
– القوى المتحالفة مع إيران في العراق.
– حزب الله في لبنان.
– حركة أنصار الله في اليمن.
ويمثل المسرح البحري في البحر الأحمر والخليج العربي ساحة  لتصعيد كبير، خصوصاً في حال استهداف السفن أو حاملات الطائرات.
مثل هذا التطور قد يؤدي إلى تعطيل التجارة العالمية، خاصة عبر مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

*خامساً: التحولات في البيئة الإقليمية*
إن الحرب كشفت عن تغيرات مهمة في مواقف دول المنطقة. فالدول التي كانت تقف تقليدياً ضمن المعسكر الأمريكي لم تعد متحمسة للانخراط المباشر في الصراع.
فقد اتجهت العديد من القوى الإقليمية إلى سياسات أكثر حذراً، بما في ذلك أردوغان الذي حاول لعب دور الوسيط،
ودول الخليج التي فضلت تجنب التصعيد و مصر التي ركزت على حماية مصالحها الأمنية.
هذا التردد يعكس إدراكاً متزايداً بأن ميزان القوى في المنطقة لم يعد يميل بشكل حاسم لصالح إسرائيل والولايات المتحدة كما كان في السابق. وهذا بطبيعة الحال ما لم يحسبه ترامب ونتنياهو في حربهما هذه.

*سادساً: الحرب الاقتصادية وإعادة تشكيل طرق التجارة*
لا تقتصر المواجهة الحالية على البعد العسكري، بل تمتد إلى العنوان الاخطر المجال الاقتصادي. فإيران تمتلك القدرة على التأثير في طرق التجارة والطاقة العالمية.
ومن أبرز الأدوات المحتملة في هذا السياق ..
– تعطيل الملاحة في الخليج العربي.
– تهديد خطوط الطاقة العالمية.
– استخدام الاقتصاد كسلاح ضغط سياسي.
مثل هذه الخطوات تؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على نفط الخليج ليشكل تهديد على أمن الغذاء والطاقة في العالم.

*سابعاً: لبنان كساحة انعكاس حتمي للصراع*
فأهمية لبنان باعتباره إحدى الساحات التي ستتأثر مباشرة بنتائج الحرب. بل باعتباره ساحة الصراع الحتمي فالتوازن السياسي الداخلي في البلاد يرتبط تاريخياً بالتحولات الإقليمية.
وبالتالي، فإن أي تغيير في ميزان القوى بين إيران وإسرائيل  ينعكس بالضرورة على بنية النظام السياسي اللبناني وموقع القوى السياسية المختلفة . وهنا يقرأ في قرار الحكومة لإعادة ترتيب طبيعة العلاقة مع إسرائيل بأنها استعجال للخيانة ويتساءل هل بلغ الغباء بحكومة الأمير المزيف أنها لم تقرأ لحد الآن هزيمة إسرائيل وأمريكا؟ أم أنها تدرك وترى ولكنها تحاول يائسة أن تحمي نفسها بالاستثمار بالخاسر والإمعان في تهديد المقاومة والإضرار ببيئتها الشعبية؟
ويوجه تحذيرا هو الإنذار الأخير لهذه الحكومة ممن نهبوا ودائع الشعب وتآمروا على المقاومة وفرطوا بسيادة لبنان وكرامته بأن لا ضامن اليوم أن يسامح أولياء الدم ويتجاوزوا عن شراكة الدولة في مشروع إبادة وتهجير الشيعي وفق المطلب الأمريكي والإسرائيلي.
إن المأزق الذي يواجهه كل من  ترامب ونتنياهو لا يرتبط فقط بتعقيدات الحرب الجارية، بل يعكس حدود نموذج كامل من التفكير الاستراتيجي القائم على التفوق العسكري السريع وفرض الوقائع بالقوة. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي أو بالقوة الجوية، بل بقدرة الدول على إدارة الزمن الاستراتيجي، وتوظيف العمق الجغرافي، وبناء شبكات التحالف والمرونة السياسية.
وفي هذا السياق، تظهر إيران باعتبارها فاعلاً يسعى إلى تحويل الحرب من مواجهة خاطفة وحرب التدمير إلى عملية استنزاف تاريخية تعيد ترتيب التوازنات الإقليمية. فامتلاك القدرة على الصمود، والاحتفاظ بأوراق القوة، وتوسيع مسرح العمليات عبر الحلفاء، كلها عناصر تسمح لها بإدارة صراع طويل الأمد قد يعيد تعريف معادلات الردع في المنطقة، خصوصاً في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز الذي يشكل أحد أعصاب الاقتصاد العالمي.
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذه المواجهة يتجلى في الساحات التي ستنعكس عليها نتائج الحرب، وفي مقدمتها لبنان. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية ودوره في معادلة الصراع مع إسرائيل، ليس مجرد ساحة هامشية، بل يشكل أحد المفاصل الأساسية في ميزان القوى الإقليمي. إن وجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة يجعل من لبنان جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع التي تحكم الصراع في المشرق.
ومن هنا، فإن نتائج الحرب الجارية قد لا تقتصر على إعادة رسم خطوط المواجهة بين إيران وإسرائيل، بل قد تمتد لتطال البنية السياسية اللبنانية نفسها. فالتوازنات الداخلية في لبنان كانت تاريخياً انعكاساً مباشراً لموازين القوى في المنطقة، وكل تحول كبير في هذه الموازين كان يفتح الباب أمام إعادة تشكيل السلطة والاصطفافات السياسية داخله.
إن إدخال لبنان في معادلة الحرب يعني بالضرورة انزلاقه الحتمي إلى مواجهة شاملة، مما يعكس حقيقة أعمق أن لبنان يقف اليوم عند تقاطع تاريخي بين مسارين متناقضين. فإما أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوح في حال توسعت الحرب، وإما أن يصبح جزءاً من الترتيبات الجديدة التي قد تنشأ بعد انتهاء المواجهة.
وفي كلا الحالتين، يبقى لبنان أحد المؤشرات الحساسة على طبيعة التحول الجاري في الشرق الأوسط. فإذا نجحت قوى المقاومة في تثبيت معادلات ردع جديدة، فإن ذلك سيعزز موقع لبنان في معادلة التوازن
الإقليمي. أما إذا اتجهت الحرب نحو تسويات دولية أوسع، فقد يكون لبنان أحد ميادين إعادة ترتيب النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم الحرب الراهنة بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. فالتردد الذي تبديه العديد من القوى الإقليمية، ومحاولات الوساطة التي يقودها لاعبون مثل رجب طيب أردوغان، يعكسان إدراكاً متزايداً بأن مرحلة الهيمنة الأحادية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي تقترب من نهايتها، وأن العالم يتجه تدريجياً نحو بنية أكثر تعددية وتعقيداً.
هذه الحرب لا تتعلق فقط بمن سينتصر في معركة أو جبهة، بل بمن سيملك القدرة على صياغة قواعد اللعبة الدولية في المرحلة المقبلة. فالتاريخ لا يُكتب فقط بنتائج المعارك، بل بالتحولات التي تفرضها تلك المعارك على وعي الدول واستراتيجياتها.
وفي هذا المعنى، المنطقة اليوم على أعتاب مرحلة جديدة؛ مرحلة يتراجع فيها منطق الهيمنة المطلقة، ليحل محله نظام أكثر تعقيداً يقوم على توازنات متعددة القوى. ومن هنا فإن الحرب الحالية لن تكون مجرد فصل آخر في تاريخ الصراعات الشرق أوسطية، بل إحدى اللحظات التي يبدأ عندها العالم كتابة صفحة جديدة من تاريخه الجيوسياسي—صفحة سيكون للبنان فيها، مرة أخرى دور يتجاوز حجمه الجغرافي ليعكس موقعه الدائم في قلب التحولات الكبرى للمشرق.

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى