
بينما كنت أرتشف قهوتي مع أول خيوط السحور، خطر على بالي سؤال بسيط، لكنه مقلق،
لماذا لم تفتح إيران جبهه الحرب مع إسرائيل عندما كانت غزه تحترق؟
فلو كانت تلك الترسانه من الصواريخ البالستيه، وذلك الحشد من القوى المسلحه التي تدور في فلكها، وتلك الشعارات التي ملأت الشاشات طوال عقود
قد تحولت الى خطوه ميدانيه في تلك اللحظه
، لكانت لحظة حرب غزه لحظه تاريخيه لتغيير موازين القوى في المنطقه.
لكن ما حدث كان شيئا آخر.
تركت غزه تقاتل وحدها.
وتركت حماس تستنزف وحدها.
ثم بدأ التصعيد بالتقطير، لا بالانفجار.
حتى المرحوم حسن نصر الله، الذي كان صوته في خطاباته يوحي دائما بأن الحرب الكبرى قاب قوسين أو أدنى، بقي أسير حسابات اقليميه معقده، لأن القرار الحقيقي لم يكن في بيروت، بل في طهران.
وفي السياسه، ليست كل الحروب تخاض لتحرير الارض، بل احيانا تدار لادارة النفوذ.
فإيران تدرك جيد أن الحرب الشامله مع إسرائيل ليست مجرد معركه حدود، بل زلزال قد يفتح ابواب مواجهه مع الولايات المتحدة ومنظومه عسكريه واقتصاديه هائله، لا يمكن مقارنتها بحروب الوكاله التي اعتادت طهران خوضها عبر الآخرين.
لهذا كان الخيار الايراني تقليدي واضح،
القتال بالوكلاء، لا بالجيوش.
والضغط بالتصريحات، لا بالانفجارات الكبرى.
لكن التاريخ يعلمنا حقيقه مره،من يترك حليفه يواجه مصيره وحده، قد يأتي يوم يجد نفسه وحيدا ايضا.
وهنا تعود الحكايه العربيه القديمه
حكاية الثيران الثلاثه.
حين أكل الاسد الثور الابيض، قال الثور الاسود يومها
أكلت يوم أكل الثور الابيض.
واليوم قد نطرح السؤال ذاته في السياسه،
هل كان تأخر فتح الجبهات حساب عقلاني، أم لحظه تخلي ستدفع المنطقه ثمنها لاحقا؟
فالحروب لا تقاس بعدد الصواريخ فقط،
بل باللحظه التي تختار فيها أن تطلقها.
وفي السياسه،
احيانا لا يهزم القوي، بل يترك وحيدا حتى يستنزف.
فحين تترك الجبهات تسقط واحده تلو الاخرى، وحين تتحول المعارك الى حسابات نفوذ وتوقيتات سياسيه، يصبح السؤال ليس،من سيقاتل؟
بل، من سيبقى عندما تبدأ المعركه الحقيقيه؟
فالثور الذي ظن أن صمته سيحميه
اكتشف متأخر أن صمته لم يكن حمايه، بل كان دوره المؤجل على مائده الافتراس.
وهكذا تعود الحكاية القديمه لتطرق ابواب السياسه من جديد،
من يظن أن النار ستأكل جاره فقط، قد يكتشف يوم أن الريح كانت تتجه نحوه منذ البدايه.
فالتاريخ لا يكرر نفسه عبث.
بل ليذكر الغافلين أنهم أكلوا،
يوم أكل الثور الابيض.
خربشات((الثور الأحمر ))صباحيه