
الإقليم الذي نعيش فيه هو أكثر إقليم موهوب على سطح الكرة الأرضية، عُرف في الماضي باسم “قلب العالم” و”فجر الحضارات” و”مركز الحراك البشري”، وبوتقة “الاختراعات الثورية في تقدم البشرية: الحجر..البرونز..الحديد..”.
أطلق الغربيون على إقليمنا اسم “الشرق الأدنى” القريب لهم تمييزا له عن الشرق “الأقصى” البعيد عنهم الذي تمثله الصين واليابان.
منذ فجر التاريخ السياسي، ومع أول ظهور للوحدات السياسية والدول والإمبراطوريات، كان هذا الإقليم أكثر بقعة جغرافية في الكرة الأرضية تشهد صراعات وحروب وتنافس إرادات، قوى عظمى جبارة وحكومات وإمارات صغيرة تابعة تعمل بالوكالة لصالح الدول الأكبر.
قبل آلاف السنين تصدرت مصر السيطرة على الإقليم، ثم ظهرت قوى منافسة من آسيا الصغرى (في الموقع الذي سنعرف فيه لاحقا تركيا الحديثة) علاوة على القوى الحضارية الشهيرة في العراق وفارس.
وحين تداعت قوة مصر ولم يصبح لها قدرة عسكرية إمبراطورية – بعد أن حققت كل شيء وتعبت وتراخت في رحلة 3 آلاف سنة من المجد – ظهرت قوة فارس لتصنع إمبراطورية مهيبة، توسعت على حساب الشرق الأدنى ووصلت في أكثر من مرة لاحتلال وادي النيل.
ما يقوله الإسرائيليون حاليا من تعبير “من الفرات إلى النيل” ليس حلما توراتيا بل هو في الحقيقة حلم فارس الأصل يعود عمره لأكثر من 2500 سنة حين وسعت فارس مملكتها فعبرت الفرات إلى النيل وأخضعت مصر لسلطانها.
لكن دعنا نضع الأمور في مواقعها الجغرافية والتاريخية الصحيحة، “من النيل إلى الفرات” هو مشروع إمبراطوري مصري أصيل ظهر وتحقق في عهد دولة قدماء المصريين.
“من النيل إلى الفرات” هو مشروع مصري قديم يقوم على فكرة أساسية مفادها أنه لابد من قوة طموحة جسورة منظمة تحكم السيطرة على إقليم الشرق الأدنى وتجمع شتاته.
حين قدم الإسكندر الأكبر غازيا من مقدونيا إنما جاء لاحتلال بلاد الشرق وهدفه الرئيس هدم إمبراطورية فارس وتفكيكها إلى دويلات أصغر لا تقوم لها قائمة، ولا تصبح قادرة على تهديد العالم اليوناني، ولا تكون لها قدرة على تكوين إمبراطورية.
احتلال الإسكندر لمصر لم يكن سوى اقتطاع جزء من النفوذ الفارسي قبل 2300 سنة مضت.
عدد معتبر من المؤرخين المصريين يؤكدون لك أن المصريين استقبلوا الإسكندر الغازي بفرح وسرور لأنه جاء ليخلصهم من الحكم الفارسي الذي سبب أذى للمصريين.
أهم أشكال الأذى التي يذكرها هؤلاء المؤرخين أن الفرس استخفوا بالآلهة والمعبودات المصرية لصالح ديانتهم الفارسية.
كان الإسكندر وخلفاؤه من المكر والدهاء أن قالوا للمصريين نحن أبناء الفراعنة مثلكم ونحترم آلهتكم.
وإذا صدقنا المؤرخين أيضا فإن الإسكندر وخلفاءه حكموا مصر 300 سنة في أوضاع اقتصادية لا تختلف كثيرا عن أي احتلال أجنبي لكنهم كانوا من الذكاء أن تركوا شؤون العبادة والثقافة على سابق عهدها أو تأقلموا معها.
سيعيش خلفاء الإسكندر 300 سنة في الإقليم ومصر قبل أن تصبح روما سيدة المنطقة بعد صراع ثنائي مع قرطاج الفينيقية القادمة من شرق المتوسط.
نحن إذا في تاريخ طويل من ثنائيات السيطرة على إقليمنا الموهوب/المنكوب، وستصل هذه الثنائيات في العصر الحديث إلى صراع فرنسا وانجلترا، وأخيرا الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.
لم ينعم إقليم الشرق الأدنى (المشرق العربي/ الشرق الأوسط) بأي هدوء في هذه الصراعات الثنائية.
نحن اليوم في عام 2026، في حال تدمير قدرة إيران وفتح المنطقة لهيمنة أحادية إسرائيلية سنعود إلى المشروع القديم الذي تحاول فيه قوة واحدة الهيمنة الحصرية من دون شركاء.
هل الجغرافيا السياسية تكرر نفسها؟
ليس بشكل حرفي: فالمشروع الإسرائيلي من “النيل إلى الفرات” لا يعني بالضرورة احتلال أراضي إيران والعراق وسوريا ومصر من أجل السيطرة على الشعوب على النمط القديم قبل آلاف السنين.
في العصر الحديث هناك أشكال أخرى من السيطرة، في مقدمتها:
– سيطرة اقتصادية من غير حرب ولا تماس ولا اشتباك عبر القرصنة والنهب والسرقة الدولية.
– سيطرة في التفوق العلمي والتطبيقات التكنولوجية
– سيطرة إعلامية وإغراق المنطقة في جهالات وإلهاء وتشويش وفوضى معلوماتية وقصص مزيفة ومفبركة
– زعزعة نفسية متصلة وخلخلة روحية وعقائدية
هذه ليست المرة الأولى..هذه صفحة حديثة في السيرة الذاتية لإقليمنا الموهوب/المنكوب