
في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب دائمًا بقرار سياسي أو بضربة عسكرية.
أحيانًا تبدأ ببساطة حين تتحول الجغرافيا نفسها إلى سلاح.
وفي اللحظة التي يحدث فيها ذلك، لا تبقى المعركة محصورة بين أطرافها المباشرين، بل تمتد ارتداداتها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وممرات التجارة الدولية.
السؤال الذي يتردد كثيرًا في النقاشات السياسية اليوم هو:
لماذا لم يدخل الحوثيون الحرب حتى الآن؟
غير أن هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرة، يخفي خلفه سؤالًا أعمق بكثير:
متى تتحول الجغرافيا اليمنية نفسها إلى سلاح في هذه الحرب؟
لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى قاعدة قديمة في علم الجيوستراتيجية تقول إن الدول قد تمتلك الجيوش، لكن الجغرافيا هي التي تمتلك مفاتيح الحروب.
باب المندب: الشريان الذي لا يُرى
يقع باب المندب في نقطة تبدو على الخريطة صغيرة الحجم، لكنها في الواقع واحدة من أهم العقد البحرية في العالم. فهو البوابة التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، والممر الذي تعبر من خلاله نسبة كبيرة من تجارة الطاقة المتجهة إلى أوروبا.
لهذا السبب تحديدًا لم يكن باب المندب يومًا مجرد ممر ملاحي عادي، بل ظل دائمًا ورقة استراتيجية كامنة في كل صراع يقترب من هذه المنطقة.
فإذا تعطلت الملاحة في هذا الممر – حتى لفترة قصيرة – فإن الارتدادات لا تتوقف عند حدود البحر الأحمر، بل تمتد فورًا إلى أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، وموازنات القوى الاقتصادية بين الدول.
منطق التصعيد المرحلي
الحروب الكبرى لا تبدأ عادة بكل أدواتها. بل تتحرك عبر درجات محسوبة:
رسائل ردع، ضربات محدودة، استنزاف متبادل، ثم – إذا فشلت هذه المراحل – الانتقال إلى توسيع مسرح العمليات.
في هذا السياق يمكن فهم الحديث المتكرر عن منشآت النفط في الخليج أو عن باب المندب. فهذه ليست مجرد أهداف عسكرية تقليدية، بل أوراق ضغط قصوى لا يتم اللجوء إليها إلا عندما تصل الأطراف إلى لحظة شعور بالخطر الوجودي.
وفي مثل هذه اللحظة تحديدًا يظهر ما يسميه بعض الاستراتيجيين منطق تعميم الكلفة:
أي أن الطرف الذي يشعر بأنه يُستهدف وجوديًا يسعى إلى توسيع دائرة الخسارة بحيث لا يبقى الصراع محصورًا بينه وبين خصومه المباشرين.
الجيوهيستوريا: ذاكرة المكان
ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها اليمن إلى عقدة استراتيجية في صراعات أكبر منها. فالتاريخ الحديث للمنطقة يقدم مثالًا واضحًا في حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي، حين تحولت البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي معقد.
تداخلت يومها حسابات القوى العربية والإقليمية والدولية، وتحولت الحرب المحلية إلى جزء من لعبة توازنات أوسع، انتهت بتداعيات خطيرة على بنية القوة في العالم العربي كله.
اليوم، يعود المشهد بصورة مختلفة، لكن بمنطق مشابه:
منطقة مضطربة، ممرات استراتيجية حساسة، وقوى دولية وإقليمية تتقاطع مصالحها عند نقاط الجغرافيا الأكثر هشاشة.
حرب الطاقة: السيناريو الذي يخشاه الجميع
السيناريو الأخطر في هذه اللحظة لا يتمثل في تبادل الضربات العسكرية المحدودة، بل في احتمال انتقال المواجهة إلى حرب على الطاقة والممرات البحرية.
فإذا تعرضت منشآت النفط في الخليج لهجمات واسعة، أو تعطلت الملاحة في باب المندب، فإن الصراع لن يبقى إقليميًا. عندها ستدخل أسواق الطاقة العالمية في حالة اضطراب حاد، وقد تجد القوى الكبرى نفسها مضطرة للتدخل المباشر لحماية تدفق التجارة الدولية.
وهنا تحديدًا يصبح الشرق الأوسط مرة أخرى مسرحًا لصراع أكبر من حدوده الجغرافية.
أسبوعان فقط… كفيلان بإرباك الاقتصاد العالمي
لفهم حساسية هذه النقطة الجغرافية، يكفي تصور سيناريو بسيط: ماذا لو تعطلت الملاحة في باب المندب لمدة أسبوعين فقط؟
عندها لن تكون المشكلة مجرد تأخير في حركة السفن، بل سلسلة ارتدادات متلاحقة. سترتفع تكاليف الشحن فورًا، وستضطر ناقلات النفط إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف آلاف الأميال إلى الرحلة ويرفع كلفة الطاقة عالميًا. ومع كل يوم إضافي من التعطيل ستبدأ الأسواق في التسعير وفق منطق الخطر، لا وفق منطق العرض والطلب.
في مثل هذا السيناريو، قد تقفز أسعار النفط والغاز بشكل حاد، وتتضرر سلاسل الإمداد العالمية التي ما زالت أصلًا تعاني من آثار أزمات سابقة. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، قد تدخل الاقتصادات الكبرى في موجة تضخم جديدة، وهو ما قد يدفع القوى الدولية الكبرى إلى التدخل المباشر لضمان بقاء هذا الشريان البحري مفتوحًا.
وهنا يتضح المعنى الحقيقي لعبارة يرددها الاستراتيجيون منذ عقود:
الممرات البحرية ليست مجرد طرق للتجارة، بل مفاتيح للاستقرار العالمي.
لهذا فإن كثيرًا من الخطابات المتداولة اليوم حول استهداف شامل لمنشآت الطاقة أو إغلاق الممرات البحرية يجب أن تُقرأ في إطار معادلة الردع المتبادلة.
لكن التاريخ يخبرنا أيضًا أن أخطر اللحظات في الصراعات هي تلك التي تتحول فيها أوراق الردع إلى أفعال على الأرض. فالحروب الكبرى لا تنفجر فقط بسبب قوة الخصوم، بل كثيرًا ما تنفجر لأن مساحات التراجع والتسوية تبدأ في التآكل تدريجيًا.
وعندما تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط قصوى، وتصبح الممرات البحرية وحقول الطاقة جزءًا من معادلة الردع، فإن الصراع يتجاوز حدوده الإقليمية ليمسّ توازن الاقتصاد العالمي نفسه.
عند تلك النقطة تحديدًا، لن يكون الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع بين قوى متنافسة، بل عقدة استراتيجية يمكن أن تعيد رسم خرائط القوة في النظام الدولي بأسره.
والسؤال الذي يفرض نفسه عندها لن يكون:
من سيربح هذه الجولة؟
بل سؤال أكثر قسوة وواقعية:
هل يستطيع الشرق الأوسط – والعالم معه – تحمّل كلفة حرب تُشهر فيها الجغرافيا سلاحها؟