
“ليس المهم ما حدث لك، بل ما تفعله بما حدث لك.”
— تُعد هذه العبارة خلاصة لأسس العلاج بالمعنى الذي أسسه عالم النفس النمساوي الشهير ” فيكتور فرانكل” في كتابه الشهير (( الإنسان يبحث عن المعنى )) ، حيث يرى أن الإنسان يمتلك دائماً حرية اختيار موقفه واستجابته تجاه أي ظرف أو معاناة يمر بها
– يميل الناس إلى الاحتفاء بالنجاح حين يرونه في صورته الأخيرة؛ منصبًا مرموقًا، أو إنجازًا لافتًا، أو حياةً تبدو مستقرة من الخارج. لكن قليلين فقط من يتوقفون ليتساءلوا عن الطريق الذي سبق ذلك كله، وعن الأقدام التي سارت فوق الأشواك قبل أن تصل إلى الضوء.
بيننا أشخاص نجوا من طفولة لم تكن رحيمة، ومن بيوت امتلأت بالصراخ أكثر مما امتلأت بالدفء، ومن تجارب تركت في أرواحهم ندوبًا لا يراها أحد. حملوا في سنواتهم الأولى ما كان أكبر من أعمارهم، وتعلموا مبكرًا دروسًا كان ينبغي للحياة أن تؤجلها.
ومع ذلك، لم يتوقفوا.
يُقال : “الروح التي تتألم كثيرًا، ترى العالم بشكل مختلف.” وربما لهذا السبب يمتلك الناجون من التجارب القاسية حساسية خاصة تجاه الألم الإنساني. فهم لا يسمعون الكلمات فقط، بل يسمعون ما وراءها، ولا يرون الوجوه فقط، بل يلمحون التعب المختبئ خلفها.
المثير للاهتمام أن المعاناة لا تُنتج دائمًا القسوة. ففي كثير من الأحيان تخلق نوعًا نادرًا من الوعي؛ وعيًا يجعل الإنسان أكثر إدراكًا لاحتياجات الآخرين وأكثر قدرة على فهم هشاشتهم. فالذي افتقد الأمان يعرف قيمته، والذي عاش الإهمال يدرك معنى الاهتمام، والذي ذاق الوحدة يصبح أكثر انتباهًا لمن يقفون وحيدين على هامش الحياة.
ومن هنا تأتي الحقيقة التي كثيرًا ما يثبتها الواقع: فاقد الشيء الواعي قد يكون أكثر الناس قدرة على منحه. ليس لأنه لم يتألم من فقدانه، بل لأنه يعرف جيدًا حجم الفراغ الذي يتركه غيابه. لذلك نجده يمنح الاحتواء الذي افتقده، ويقدم الدعم الذي كان يتمناه، ويزرع الطمأنينة في قلوب الآخرين وهو يعرف تمامًا قيمة وجودها.
الناجون الحقيقيون ليسوا أولئك الذين لم ينكسروا قط، بل أولئك الذين عرفوا الانكسار ثم رفضوا أن يجعلوه هويتهم. لقد أدركوا أن الماضي يفسر الكثير من الأشياء، لكنه لا يملك الحق في أن يحدد مصيرهم بالكامل. فاختاروا أن يكونوا أكبر من جراحهم، وأوسع من آلامهم، وأقوى من الظروف التي حاولت اختزالهم في ذكريات مؤلمة.
يُقول جبران خليل جبران : «مِن المعاناة انبثقت أقوى النفوس، وأعظم الشخصيات تحمل ندوبًا»
وربما لهذا السبب نجد أن أكثر الناس قدرة على منح الحب هم الذين عرفوا الحرمان، وأكثرهم رحمة هم الذين اختبروا القسوة، وأكثرهم إيمانًا بالأمل هم الذين مشوا طويلًا في العتمة.
إنهم يعيشون بندوبٍ تملأ أرواحهم ، و يملكون ماضيًا لا يمت للمثالية بصله ، لكنهم يحملون شجاعة نادرة؛ شجاعة أن يستمروا، وأن يختاروا كل يوم ألا يكونوا نسخة من الألم الذي تعرضوا له.
هؤلاء ليسوا مجرد ناجين من طفولة صعبة أو تجارب قاسية، بل هم شهادة حية على قدرة الإنسان المذهلة على الشراسه في النهوض و عدم الإستسلام .
فبعض الأرواح، مهما أثقلتها الجراح، تعرف كيف تحول الندوب إلى حكمة، والألم إلى قوة، والخسارات إلى أجنحة تحلق بها نحو حياة أكثر اتساعًا ونضجًا وإنسانية ..
فتحيةً للناجين…
للذين حملوا أشباح الماضي على أكتافهم ولم يسمحوا لها أن تطفئ نور أرواحهم، وللذين واجهوا أعاصير الحاضر بقلوبٍ مرتجفة لكنها لم تتوقف عن المقاومة.
تحيةٌ لمن عرفوا الخذلان فاختاروا الوفاء، وعرفوا القسوة فاختاروا الرحمة، وعاشوا الحرمان فصاروا أكثر الناس قدرةً على العطاء.
للذين كانت معاركهم الحقيقية صامتة، لا يراها أحد، لكنهم انتصروا فيها كل يوم بمجرد استمرارهم.
تحيةٌ لمن لم تمنحهم الحياة بداياتٍ سهلة، فصنعوا بأيديهم نهاياتٍ تليق بأحلامهم. ولمن عبروا من قلب العاصفة وهم يظنون أنهم لن ينجوا، فاكتشفوا أنهم أقوى مما تخيلوا.
أولئك الذين لم يهزمهم ما مروا به، ولم يصبحوا نسخةً من الألم الذي عرفوه، بل أصبحوا أكثر صلابةً ونضجًا واتساعًا للحياة.
فمن واجه أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان في سنواته الأولى، وصمد أمام ما كان كفيلًا بكسره، أصبح من الصعب أن تهزمه الأيام أو تُسقطه العثرات. قد يتعب، قد يحزن، قد ينحني أحيانًا تحت ثقل الحياة، لكنه يعرف كيف ينهض من جديد.
تحيةً للناجين… أولئك الذين نجوا من كل شيء تقريبًا، حتى صار من الصعب أن يهزمهم أي شيء.
سمر محمد