كتاب وشعراء

من اللغة إليّ…بقلم أعراب خالد

لم أولد شاعرًا،
كنتُ أبحث فقط
عن طريقةٍ لا أتهشّم بها
كلّما ضاقت بي الحياة،
فكنتُ أكتب جملةً
وأؤجّل بها سقوطي.
كبرتُ،
وقالوا: هكذا تُصنع القصيدة،
زنْ كلماتك،
واربط نبضك بإيقاعٍ قديم،
واتبع أثر الذين عبروا قبلك،
تكن شاعرًا يُشار إليه.
حاولتُ…
وأشهد أنني حاولت،
ارتديتُ اللغة كما أرادوها،
وأقمتُ بين كلماتي ميزانًا
لا يعرفني،
حتى صرتُ جميلًا في أعينهم…
وخاليًا منّي.
في تلك اللحظة
التي ارتفعت فيها التصفيقات،
اكتشفتُ الحقيقة:
كنتُ أفقد صوتي
وأربح إعجابهم،
وكانت القصيدة
تبتعد عني
كلما اقتربتُ منهم.
من هناك بدأتُ،
لا لأتمرّد على اللغة،
بل لأستعيدها،
خلعتُ ما تعلّمت،
وكسرتُ القوالب
التي ضاقت بي أكثر مما احتوتني.
شيئًا فشيئًا،
تمرّدت الكلمات،
وصارت أقلّ طاعة…
وأكثر صدقًا،
لم تعد تسأل عن الوزن،
بل عني.
وصرتُ أكتب
كما يتألّم الإنسان،
لا كما تُدرَّس القصائد،
أكتب لأفهم،
لا لأُصفَّق.
وحين عدتُ إلى نفسي،
وجدتُ أن اللغة
لم تكن يومًا خصمي،
بل كانت تنتظرني
لأكون صادقًا فقط.
لهذا،
لا أكتب لأُعجب أحدًا،
ولا لأثبت أنني شاعر،
أكتب لأن في داخلي كلامًا
إن لم يُقال
خنقني.
وهنا فقط فهمتُ القصيدة:
ليست وزنًا يُحفظ،
ولا قافيةً تُكرَّر،
بل حياةٌ
تُقال كما هي.
لكن ما لم يخبرني به أحد…
أن اللغة
ليست ما نكتبه،
بل ما ينجو منا
حين نحاول الهروب.
وأن القصيدة
ليست ما نقوله،
بل ما يفضحنا
حين نظن أننا نخفيه.
لهذا،
كلما كتبتُ سطرًا
انكشف جزءٌ مني،
وكلما حاولتُ أن أكون شاعرًا،
سقطتُ…
وصرتُ إنسانًا.
وفي النهاية،
لم أربح اللغة،
ولم أنتصر على القصيدة،
أنا فقط
توقّفتُ عن الكذب،
وتركتُ الحرف
يقول الحقيقة…
حتى ولو كانت ضدّي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى