كتاب وشعراء

ذاكرةٌ تعبرُ من ثقبِ المرآة… بقلم: د. عبدالكريم بعلبكي

توقّفتُ…

كان الصوتُ
مفتاحًا من ملح،
يتدلّى
من عنق بئر.

التفتُّ.

امرأةٌ
تخرج من شقوق الخريف،
في عينيها نافذتان
على بيتٍ
اقتُلعت خرائطه.

قالت الصبيّة:
“ألم تعرفها؟”

تكسّر السؤال
على مرآةٍ عمياء.

وجهٌ بلا جهة،
ملامحُ
تنسلّ من أصابع الغياب.

نظّارتان
تحرسان حريقًا
لم يكتمل رماده.

خلعتهما…

تدحرج الليل من عينيها،
وانفلتت وجوهٌ
من أقفاص الضوء.

قالت اسمها.

اهتزّ في دمي
بابٌ مطمور.

من شقوقه
صعد خبزٌ قديم،
وظلُّ شجرةٍ
ما زالت جذورها
تتحسّس ترابها.

في قاع الذاكرة
مفتاحٌ
لم يصدأ.

وعلى الجدار
ظلٌّ ناقص،
وإطارٌ
يترك للصورة
مكانًا لمغادرته.

دخلتْ…

كان وراءها
طفلٌ من غبار،
يحمل ضحكةً
نسيها ثوبٌ
منذ غادره الجسد.

جلس الطفل
على مقعد الغياب.

المقعد
يتّسع لمدينة،
ويضيق باثنين.

للصمت أصابع
تنبش تحت الطاولة
عن يدٍ
أفلتتها الجهات.

خارج النافذة
كانت البوصلة
تدور حول جرحها.

الخرائط
تبدّل جلدها،
والطريق
يمحو خطاه.

وحدها رائحة التراب
ظلّت عالقةً
في حنجرة المفتاح.

مدّت يدها…

ارتجفت المسافة
كقميصٍ
نسيه مسمار الرحيل.

لم تلمس يدي،
لامست ظلّها
في الجهة الأخرى
من المرآة.

هناك
كان وجهٌ صغير
ينتظر التفاتةً
أضاعها الزمن.

نظرتُ إليها…

تراجع الغياب
عن عتبة العين،
وانحنى
كجنديٍّ
عثَر على طفولته
في صورة أمّه.

في المرآة:

امرأتان،
وجهٌ واحد،
بيتٌ بلا جدران،
ومفتاحٌ
لا يعرف
أيّ بابٍ فتح.

لم أسمع الاسم ثانيةً.

كان التراب
يلفظه
من تحت الأنقاض.

مددتُ يدي
إلى المرآة…

فخرجتْ منها
يدي القديمة.

وعرفتُ،
متأخرًا،
أنّ التي كانت تبحث عنّي
لم تكن المرأة.

كانت ذاكرتي.

بقلم: د. عبد الكريم بعلبكي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى