رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب:غزة بين احتلالين؟ بين مطرقة إسرائيل وسندان حماس

غزة اليوم لا تحتاج إلى تجميل صورتها، ولا إلى إعادة تسمية الكارثة بلغة دبلوماسية تخفف من وقعها. تحتاج إلى مواجهة الحقيقة كما هي: شعبٌ يُقتل ويجوع ويُهجّر، وأرضٌ ما زالت تحت الاحتلال والسيطرة العسكرية الإسرائيلية، ومرحلة انتقالية دولية وفلسطينية لم تتحول بعد إلى واقع قادر على حماية أهل غزة وإنقاذهم.

وبعد نحو عام من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ما زالت الأمم المتحدة تؤكد أن تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803 لم يكتمل، وأن المرحلة الانتقالية متعثرة، وأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لم تتمكن بعد من دخول القطاع لمباشرة مهام الحكم، فيما لم تنتشر قوة الاستقرار الدولية على الأرض. وفي المقابل، أعلنت اللجنة عن برنامج للتعافي المبكر يضم 66 مشروعاً بكلفة نحو 2.45 مليار دولار، لكنه ما زال مشروطاً بالتمويل وإمكانية الوصول وتوافر ظروف التنفيذ.

فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى المواطن الغزي؟

يعني ببساطة أن مجلس السلام لم يتحول حتى الآن إلى قوة فعلية توقف الحرب وتفرض حماية حقيقية للمدنيين، واللجنة الوطنية لم تتحول بعد إلى سلطة تمارس الحكم على الأرض. ولذلك فإن الحديث عن إعادة الإعمار، فيما القتل والدمار والقيود على الحركة والوصول ما زالت قائمة، يظل سابقاً لأوانه. وقد أقرت الأمم المتحدة نفسها بأن التعافي المبكر في غزة ما زال دون المستوى المطلوب، وأن تنفيذ القرار 2803 لا يزال غير مكتمل.

لكن مأساة غزة لا تختزل في الاحتلال الإسرائيلي وحده، ولا يجوز أيضاً تجاهل مسؤولية حركة حماس عن خياراتها وقرارها في إدارة الصراع والسلاح والسلطة داخل القطاع. ومن منظور سياسي فلسطيني، يمكن وصف حال غزة بأنها عالقة بين احتلال إسرائيلي مباشر، وهيمنة داخلية مسلحة لحماس؛ وهما، وإن اختلفت طبيعتهما القانونية والسياسية، يشتركان في حقيقة مؤلمة: أن المواطن الغزي هو الذي يدفع الثمن.

لقد آن الأوان لأن يُقال بوضوح إن غزة تحتاج إلى التحرر من السيطرة الإسرائيلية ومن هيمنة حماس في آن واحد. لا يمكن أن يكون الخلاص من الاحتلال الإسرائيلي طريقاً إلى بقاء سلطة فصائلية مسلحة خارج المرجعية الوطنية الواحدة، كما لا يمكن أن تكون مواجهة حماس ذريعة لاستمرار الاحتلال أو لتكريس السيطرة الإسرائيلية على غزة.

فلا مستقبل لغزة تحت الاحتلال، ولا مستقبل مستقر لها في ظل الانقسام والاقتتال وتعدد مراكز السلاح والقرار.

وهنا تبرز مسؤولية مجلس السلام والمجتمع الدولي: ليس المطلوب إنشاء هياكل على الورق أو عقد مؤتمرات لإعلان الخطط، بل تحويل قرار 2803 إلى إجراءات ملموسة: حماية المدنيين، وقف القتل، ضمان دخول المساعدات، توفير الأمن، تمكين إدارة فلسطينية انتقالية من العمل داخل القطاع، وفتح الطريق أمام انسحاب الاحتلال وإعادة الإعمار.

وفي المقابل، تقع على الفلسطينيين مسؤولية تاريخية: إنهاء الانقسام، توحيد السلطة والقرار والسلاح تحت مرجعية وطنية واحدة، وإعادة غزة إلى إطارها الفلسطيني الجامع، بحيث لا تبقى رهينة لا للاحتلال الإسرائيلي ولا لأي فصيل فلسطيني.

غزة لا تحتاج إلى استبدال احتلال باحتلال، ولا إلى استبدال الاحتلال بالانقسام؛ غزة تحتاج إلى الحرية.

تحتاج إلى أن يتحرر أهلها من الاحتلال الإسرائيلي، وأن يتحرر قرارها الداخلي من الهيمنة الفصائلية، وأن تستعيد مؤسساتها الوطنية وحدتها وشرعيتها، وأن تبدأ عملية إعادة بناء الإنسان والمكان والمؤسسات.

عندها فقط يمكن أن يبدأ التعافي الحقيقي.

أما أن تبقى غزة بين الاحتلال والحرب والانقسام، وأن تُقدَّم لها الوعود والخطط والمليارات بينما لا تزال عاجزة عن حماية إنسانها وإعادة بناء حياتها، فذلك ليس تعافياً، وإنما إدارة للأزمة وإطالة لمعاناة شعب دفع من دمه وبيوته ومستقبله ثمناً باهظاً.

غزة تستحق أكثر من أن تكون ساحة حرب، وأكثر من أن تكون ورقة في صراع السلطة. تستحق أن تكون حرة، موحدة، فلسطينية القرار، وأن يكون مستقبلها بيد شعبها ضمن مرجعية وطنية فلسطينية واحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى