
كنا نأمل فلسطين كدبي … صارت دبي كفلسطين ..!!
ميخائيل عوض / لبنان
في اليوم السابع عشر من هذه الحرب، يبدو المشهد للوهلة الأولى بطيئاً…
لا معارك كبرى تتصدر العناوين، ولا انهيارات دراماتيكية تحدث في ساعات.
لكن في الحروب الكبرى، ليست الضوضاء هي التي تصنع التاريخ… بل التراكم الصامت للوقائع.
ما يجري اليوم في المنطقة ليس كمجرد جولة عسكرية بين أطراف متحاربة، بل اختبار تاريخي لميزان القوى العالمي.
فكل تطور، مهما بدا صغيراً، يكشف طبقة جديدة من الحقيقة:
هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على فرض الحروب؟
وهل ما زالت إسرائيل تمتلك القدرة على حسمها؟
بين الحديث عن تجنيد مئات آلاف الجنود، ومحاولات تشكيل تحالفات دولية لحماية الممرات البحرية، وبين اتساع ساحات الاشتباك من غزة إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، تتكشف صورة مختلفة تماماً عمّا تروّجه الضوضاء الإعلامية.
من تجنيد الاحتياط في إسرائيل، إلى مأزق دونالد ترامب وتحالفاته المرتبكة،
ومن صمود غزة إلى الهاشتاغ الذي يلخص المفارقة التاريخية:
كنا نأمل أن تصبح فلسطين مثل دبي…
فإذا بالوقائع تقول إن دبي قد تصبح مثل فلسطين.
إنها لحظة تكشف فيها الحروب حقيقتها من يحارب بالضجيج… ومن يمتلك مفاتيح الزمن لتحقيق النصر.
وفي هذا الإطار، إن ما يجري في المنطقة ليس مجرد مواجهة عسكرية بين قوى إقليمية، بل مرحلة انكشاف تاريخي لمنظومة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، وأن مجمل المؤشرات الميدانية والسياسية تشير إلى أن هذه الحرب دخلت بالفعل طوراً يقود إلى انكسار هذه المنظومة وتراجعها الاستراتيجي.
*أولاً: الحرب البطيئة وإشكالية إدراك الزمن في الصراعات الكبرى*
يبدأ التحليل بتشخيص ظاهرة نفسية-سياسية مهمة في متابعة الحروب، وهي الإحساس بالملل أو البطء عندما تطول المواجهة.
فالبشر بطبيعتهم يميلون إلى انتظار الأحداث الدراماتيكية السريعة، بينما الواقع العسكري يختلف جذرياً عن ذلك.
فالحروب الكبرى غالباً ما تتقدم عبر :
– تراكمات صغيرة
– تحولات تدريجية
– استنزاف بطيء للقدرات
إن كل تفصيل صغير في الحرب يحمل دلالة استراتيجية إذا جرى تحليله خارج تأثير الإعلام والدعاية.
وهنا يطرح قاعدة أساسية:
التفكير في الحروب يجب أن ينطلق من قواعد التفكير لا من الانفعالات.
أي أن المطلوب ليس تبني نفس الآراء، بل تبني منهج التفكير النقدي الذي يقرأ المعطيات ويطرح الأسئلة. والانتباه أنه بعد سلسلة من التراكمات الكمية للأحداث تأتي الأحداث النوعية التي تكون عامل الحسم وكسر التوازن.
*ثانياً: تجنيد الاحتياط الإسرائيلي… بين التهويل والواقع*
فإن نية بنيامين نتنياهو تجنيد نحو 450 ألف جندي احتياط.
وهذه الخطوة يجري تضخيمها إعلامياً بطريقة تهدف إلى خلق انطباع بالقوة، بينما القراءة الواقعية تشير إلى عدة حقائق:
1. *الأزمة البنيوية في الجيش الإسرائيلي*
إن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعاني منذ سنوات من نقص في القوى البشرية، انخفاض الدافعية لدى الجنود وأزمة في الاحتياط.
وقد حذر من ذلك سابقاً الجنرال الإسرائيلي إسحاق بريك الذي تحدث مراراً عن تراجع جاهزية الجيش خاصة بعد طوفان الأقصى العجائبية.
2. *الكثافة البشرية ليست عاملاً حاسماً*
حتى لو تم تجنيد مئات الآلاف، فإن ذلك لا يعني حسم الحرب، لأن الحرب الحديثة تحسمها الدقة النارية و
أما الكثافة البشرية قد تتحول إلى هدف أسهل للصواريخ والطائرات المسيّرة، إن هذا الخيار سيجعل من فائض الوجود البشري مقتلة لجنود الجيش الإسرائيلي وفرصة لتحقيق المقاومة مزيدا من الخسائر ويرفع التكلفة.
3. *التعبئة قد تعكس الضعف لا القوة*
إن الإعلان عن تعبئة بهذا الحجم قد يكون مؤشراً على أزمة حقيقية في القدرات القتالية وليس علامة قوة. وعلى تشتت القرار العسكري وإفلاس الخطة العسكرية.
*ثالثاً: مأزق القيادة الأمريكية ومحاولة تدويل الحرب* التحركات الأمريكية بقيادة ترامب الذي يحاول تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز.
إن هذه الخطوة تكشف عن تحول استراتيجي في موقع الولايات المتحدة.
فبدلاً من أن تقود الحرب منفردة كما فعلت تاريخياً، أصبحت:
– تطلب الدعم من الحلفاء
– تضغط على أوروبا
– تناشد قوى كبرى مثل روسيا و الصين
وهذا بحد ذاته،، علامة على دخول واشنطن مرحلة العجز الاستراتيجي.
*رابعاً: تجربة البحر الأحمر كدليل على محدودية القوة الغربية وفشلها*
فتجربة التحالف الغربي في البحر الأحمر لمواجهة أنصار الله في اليمن.
وبعد أشهر من العمليات، لم يتمكن هذا التحالف من وقف الهجمات أوحماية الملاحة بشكل كامل وردع الحوثيين بل على العكس أبدى الحوثي قدرة قتالية أسطورية في التصدي وإجبار التحالف على التراجع والانكفاء. ومع تكرار الهزيمة التي لحقت بترامب وأسطوله البحري والتي أجبرته على إعلان نصر وهمي والانسحاب بعد تعرض حاملات الطائرات لضربات قوية.
وبالتالي إن محاولة بناء تحالف أكبر الآن لن تغير المعادلة كثيراً والاطراف جميعها تدرك محاولة ترامب جرها لمقتلة حتمية.
*خامساً: استراتيجية إيران في إدارة الحرب الطويلة*
يقدم التحليل قراءة لما يعتبره نهجاً استراتيجياً إيرانياً في إدارة الحرب.
وفق هذه القراءة، تعتمد إيران على عدة مبادئ:
1. *إطالة أمد الحرب*
وذلك عبر إدارة الصراع بطريقة تستنزف الخصم تدريجياً.
2. *تعدد الساحات*
فتح أو إبقاء احتمالات التوسع في عدة جبهات:لبنان،اليمن
العراق فإن استراتيجية إيران في التوسع الدقيق للجبهات في الوقت الذي يستجدي فيه ترامب أي جهة للمساعدة.
3. *الاحتفاظ بالاحتياط الاستراتيجي والفارق في إدارة الموارد العسكرية*
عدم استخدام كل القدرات في البداية. وهذا يفسر لماذا لم تدخل بعض الجبهات بكامل قوتها بعد. وفي الوقت الذي بدأ فيه الأمريكي والإسرائيلي باستعمال الأجيال الجديدة والحديثة من الأسلحة عملت إيران على استنزاف هذه الأجيال بأسلحة خردة صنعتها قبل عقدين من الزمن. وفي الوقت الذي لجأ العدو بالعودة إلى أسلحته القديمة بدأ الإيراني بالكشف التدريجي عن قدراته الجديدة وترسانة أسلحتة التي لا يعرفها أحد.
*سادساً: الهاشتاغ الذي يلخص التحول التاريخي*
من أكثر الأفكار أهمية هو الشعار المتداول في غزة و الضفة الغربية:
“كنا نأمل أن تصبح فلسطين مثل دبي… فأصبحت دبي مثل فلسطين.”
هذا الشعار يحمل دلالتين عميقتين:
– سقوط الوهم الذي روّج لفكرة تحويل فلسطين إلى مركز اقتصادي يشبه دبي.
– انكشاف هشاشة النموذج الاقتصادي الخليجي إذا دخلت المنطقة في حرب شاملة.
إن الرؤية الواعية والخروج من صندوق الاستعارة من الماضي هي القادرة على ملاحظة التطورات النوعية وإدراك الحقائق.
*سابعًا: لبنان بين خطر الانهيار وفرصة التحول*
تطرقت الحلقة أيضاً إلى الوضع الداخلي في لبنان.
حيث دعوات للتطوع في كسروان و
نقاشات حول الأمن الذاتي
احتمالات انهيار النظام السياسي
وإن كل ما يجري التهويل به عن تقسيم لبنان والفتنة الطائفية مجرد أوهام لمن لم يتبقى له إلا الوهم للبقاء وأن لبنان إلى النصر والعمران والسيادة التي يصنعها الرصاص في الميدان لا الخبر العاجل في فضاء وهمي من الإعلام.
*ثامنًا: منطق الحرب الطويلة وتراكم الانهيار*
الخلاصة الاستراتيجية التي يقدمها التحليل هي أن
الانهيارات الكبرى لا تحدث دفعة واحدة، بل تأتي بعد تراكم طويل من الأزمات.
وعندما تصل المنظومة إلى نقطة الانكسار، فإن سقوطها يحدث بسرعة مفاجئة.
فإن “الانهيار دائماً أسرع بكثير من البناء.”
وفق هذه القراءة، فالمؤشرات التي تدل على
تراجع القدرة الأمريكية على فرض الحروب وأزمة بنيوية في إسرائيل إضافة إلى صعود محور إقليمي يمتلك أدوات استنزاف فعالة
ومن هنا إن المعركة لم تعد معركة حدود أو جبهات، بل معركة على شكل العالم القادم.
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن هذه الحرب قد تتحول إلى لحظة مفصلية حاسمة.
عند هذه النقطة من الحرب، ينتقل التساؤل عن من أطلق الصاروخ الأخير… ومن سيعلن البيان التالي.
إلى السؤال الحقيقي الذي أصبح أعمق بكثير:
أي منظومة تاريخية تتقدم… وأي منظومة تدخل طور الأفول.
ففي كل يوم من هذه الحرب تتكشف مفارقة لافتة الطرف الذي أعلن أنه سيحسم المعركة خلال أيام، بات يبحث عن تحالفات دولية ومخارج سياسية.
والطرف الذي وُضع تحت الحصار والعقوبات لعقود، يقاتل بهدوء وثقة وكأنه يدير حرباً طويلة يعرف نهايتها.
هكذا تُكتب تحولات التاريخ.
ليس بالضجيج… بل بتراكم العجز عند قوةٍ كانت تبدو لا تُقهر.
قد لا تُحسم هذه الحرب في يوم أو أسبوع،
لكن المؤكد أن ما يجري اليوم يرسم ملامح عالم جديد.
عالم لا يشبه ما عرفته البشرية تتغير فيه موازين القوة،وتسقط فيه أوهام التفوق المطلق.
ولهذا، ربما لن يتذكر المؤرخون عدد الصواريخ التي أطلقت في اليوم السابع عشر…
لكنهم سيتذكرون أن هذه الأيام كانت بداية لحظة انكشاف تاريخية. .
🖋 ميخائيل عوض