
منذ ان تبلور محور المقاومة( ايران –حزب الله-انصار الله- الحشد الشعبي- المقاومة الفلسطينية) شكلت ظاهرة الاغتيال السياسي لقيادات المحور أحد ابرز نقاط الهشاشة في هذا المحور، فقد نجحت اسرائيل في تصفية عشرات من قادة الصف الاول من مكونات هذا المحور ،فقد تم اغتيال المرشد الايراني والامين العام لحزب الله وقيادة حماس واغلب الحكومة في صنعاء، ناهيك عن عدد غير قليل من القيادات العسكرية او العلمية ، وكانت اسرائيل هي السباقة في الاعلان عن هذه الاغتيالات وتتبناها، ويمر وقت طويل قبل ان تعترف اطراف المحور بالمصيبة.
لقد سبق لنا وان نشرنا دراسة مطولة عن عمق الخرق الاسرائيلي لدول ونخب وأقليات ومجتمعات المنطقة، سواء بالخرق البشري(الجواسيس) او بالتغلغل التقني في اوصال المؤسسات على اختلاف أدوارها ،ناهيك عن التعاون الاستخباري مع قوى غربية ومع دول المنطقة مستفيدة في ذلك من بيئة مشققة داخليا بفعل بنياتها المتعددة الثقافات الفرعية ،وسيادة التفكير الغرائزي الانتقامي والتعصب الديني والطائفي ناهيك عن الاستبداد واتساع قاعدة عدم العدالة في توزيع الدخل بفعل الفساد المستشري في جسد المنطقة.
بالمقابل فان تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي بخاصة بعد هزيمة 1967،لم يعرف حالة اغتيال واحدة “لزعيم اسرائيلي”، فرئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين قتله يهودي متطرف وليس لاي طرف عربي يد في ذلك.
ويتكرر المشهد العربي الاسرائيلي في المشهد الايراني الاسرائيلي من هذه الناحية، فعدد من تم اغتيالهم من قيادات الصف الاول المدنية والعسكرية والعلمية الايرانية بالعشرات ، وهناك تعاون استخباري من القوى الغربية وبخاصة الولايات المتحدة ومن دول عربية في هذا المجال مع الموساد وغيرها في هذا الشأن، وتتضح الصورة بشكل اكبر مع ما تعلنه السلطات الايرانية بشكل مستمر عن الحجم الكبير من الاعتقالات لشبكات تجسس داخل ايران ومن مواطنين ايرانيين وبخاصة من الاقليات التي تشكل 45% من المجتمع الايراني ، فالتنوع في الثقافات الفرعية سمة مركزية في ايران ،وان كان المذهب الشيعي هو الجامع الابرز لهذه الاقليات مع الاغلبية الفارسية.
ثمة امر آخر، وهو عقلية ” العنترية الممزوجة بالعقل القدري”، فما رواه لاريجاني قبل اغتياله ان المرشد خامنئي رفض مغادرة مكتبه، وابقى على عائلته معه بحجة “لن يصيبكم الا ما كتب الله لكم” متناسيا الدعوة القرآنية ” وليأخذو حذرهم واسلحتهم ،ود الذين كفروا لو تغفلون..الخ”، او قوله ” ويحذركم الله نفسه”،و ” يا أيها الذين أمنوا خذوا حذركم “..ولا بد من التفريق الدقيق بين الحذر والخوف، فصدام حسين بقي اكثر من 8 شهور متخفيا بدون ان يكون له نظام يحميه بعد سقوط نظامه، وفشلت كل محاولات اغتياله نظرا للحذر الامني الذي تحلى به(رغم عماه في جانب الحذر السياسي) ، لقد هزم الجنرال جياب الفيتنامي خصومه ،ولم تتمكن الولايات المتحدة من جمع معلومات عنه ،وهو ما اكدته دراسات عديدة عن ان حجم المعلومات التي لدى المخابرات الامريكية عنه كان محدودا جدا جدا.
ان اليهود من اصول عربية (الذين انتقلوا من الدول العربية لاسرائيل )يشكلون حوالي 20% من سكان اسرائيل، ناهيك عن اليهود من ايران وغيرها ، فكما تفعل وحدة المستعربين والوحدة 8200 الاسرائيلية في التواصل مع الاقليات في العالم العربي وتجنيد أفرادها بالمال او الجنس او المركز او حتى استغلال نزعة الانتقام لدى الاقليات مما تعتبره اضطهادا عربيا لها، لماذا لا تفعل الدول العربية وايران نفس الشيء؟ ببساطة لان استراتيجية التغلغل الاستخباري تحتاج لبعدين المعرفة العلمية بالطرف الآخر من ناحية والعداء الاستراتيجي له من ناحية أخرى، ويبدو ان ايران والعرب يفتقدوا بعدا واحدا او البعدين.
ان الهشاشة الامنية داخل محور المقاومة تمثل كعب أخيل في جسد المحور، لقد رصدت في دراساتي مئات الخلايا التي تم كشفها من عملاء لاسرائيل، وبعضها كان من بين النخب الوثيقة الصلة بالسلطة، وإلا ما سر ان كل بيانات اسرائيل عن الاغتيالات تبين صدقها التام ،بل ان بعضها كان مرفقا بالصور ، وكيف تم نقل ارشيف كامل للبرامج النووية الايرانية من ايران لاسرائيل؟ ولا شك ان ايران تحاول اللحاق بتطورات “الامن السيبراني”، لكن الخرق على ما يبدو اتسع على الراتق…ربما.
يمكن العودة لدراستي حول الاختراق الاستخباري الاسرائيلي من خلال غوغل تحت العنوان التالي:
وليد عبد الحي- التغلغل الاستخباري الاسرائيلي في الدول العربية.-مركز الزيتونة.