إحياء القارئ الكامن: رؤى تطبيقية من واقع القراءة في السياق المدرسي ….بقلم فراس حج محمد| فلسطين

منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً بهذه الكيفية التي قرأت بها كتاب “الهامسون بالكتب: إحياء القارئ الكامن داخل كل طفل” لمؤلفته المعلمة دونالين ميلر، إن السيدة ميلر معلمة قراءة للصف السادس في إحدى مدارس ولاية تكساس في الولايات المتحدة، تحدثت عن تجربتها مع طلابها في هذا الصف وكيف قادتهم لأن يصبحوا قراء نهمين.
جاءت هذه الجملة في الكتاب: “القراءة شيء أقدّره بدرجة كافية لأضحي بالنوم ليلاً من أجله”، هذا ما حدث معي بالضبط مع قراءة هذا الكتاب، لم أنم إلا بعد أن غلبني النعاس تماماً، واستولى عليّ، ولم يتبق لي من الكتاب إلا ثلثه الأخير، بل لقد ضحيت بالسحور، وفاتتني صلاة الفجر من أجل قراءته، هل يستحق هذا الكتاب كل هذا الغرام الذي وقعت فيه فجأة؟ كنت أقرأ وحيداً في الليل والكل من حولي نيام، لم ألتفت إلى “دبع” الصواريخ، ولم يستفزني اهتزاز البيت كلما سقط صاروخ هناك؛ “في الجوار”، وانقطعتُ عن متابعة أخبار الحرب، وصفحاتها ومحلليها، كتاب يأخذني إلى مناطقيَ القديمة، وأستعيد معه سيرتيَ الأولى، فيا له من كتاب أخرجني من السياق المعتاد إلى سياق القراءة الذي فارقته منذ زمن بعيد.
هذا الكتاب جيّد لمعلمي القراءة في العالم الذين يسيرون على رؤى التعليم المفتوح، أما عندنا فلسنا بحاجة كبيرة إليه، إنه يقدم خطة عملية للمعلم الذي يطور فلسفته التعليمية وحده، دون أن يكرر نماذج المعلمين ذوي الخبرة ممن سبقوه في هذا المجال فيكون نسخاً ممسوخة عنهم، ويختبر فيه ومعه صحة ما تعلمه في الكليّة، يصحّ أن أقول إن هذا الكتاب يشرح بالتفصيل كيف يكون للمعلم شخصيته الخاصة به، وكيف يتأمل عمله، وكيف يتعلم من تجاربه ومن طلابه ومن كل شيء حوله، وكيف يمارس مع نفسه تأملاته الخاصة، ويحاسب نفسه، ويعترف بمحدودية أثره، ليسعى لما هو أفضل، طمعاً في الوصول إلى ما هو مثالي ونموذجيّ، إنه كتاب فريد ينطبق عليه قول توني موريسون: “إذا كان هناك كتاب ترغب في قراءته بشدة، لكنه لم يُكتَب بعد، فعليك إذن بكتابته”، وهذا ما فعلته السيدة ميلر، فلم تؤلفه لمجرّد حبها للتأليف، بل لأنها محتاجة لأن تقرأ مثل هذا الكتاب، وبصفتها قارئة نهمة فإنها لم تكن تجد بديلاً عنه، فشرعت في تأليفه، إنه خليط من الفنّ والعلم والتجربة العملية والسيرة الذاتية والفكرية لمؤلفته، لقد قدمت مؤلفاً له سمة الكتاب السردي الواضح جداً في حبكته الروائية، لكنه ليس رواية بالمعنى المتعارف عليه في الأوساط النقدية.
لقد كانت ميلر تمارس في كل خطوة من خطوات بناء منهجها التعليمي ما يمكن تسميته “التقويم الذاتي للتعليم”، فلا تخجل من انتقاد ذاتها وطريقتها، فتعدّلها لتصل إلى ما هو أنفع، ولا تخجل من انتقاد سياسات التعليم العامة، وما هو شائع ومستقر في النظام التعليمي من كيفية تعليم القراءة في المدارس، والهدف من وراء ذلك، واختيارات قياس الأداء عند الطلاب في القراءة، كما تنتقد زملاءها المعلمين، ليس حبا في الانتقاد أو رغبة منها في الحط من شأن الآخرين، بل لأنها رأت في ما يفعلونه ويطبقونه لا يصنع طالباً قادراً على أن يكون قارئاً نهماً طوال حياته في المدرسة وما بعد المدرسة.
تؤمن ميلر إن فعل القراءة سواء أكان في البيت أم في المدرسة يجب أن يتمتع بميزتين أساسيتين وهما الحرية في اختيار الكتب، والقراءة من أجل المتعة، ولذلك فإن حجرتها الصفية كانت مليئة بالكتب. لكم أن تتخيلوا صفاً دراسياً فيه (2000) ألفا كتابٍ منوّع؛ ما بين الأدب الواقعي والأدب الفنتازي، وما بين الروايات وكتب الشعر، وما بين كتب السيرة والمذكرات وكتب المعلومات العامة، والكتب التاريخية والحديثة، والكتب المنفردة أو كتب السلاسل، ولكم أن تتعجبوا أيضاً من أن ميلر قد أنشأت هذه المكتبة بكل ما فيها من كتب وتجهيزات مكتبية على نفقتها الخاصة، وكانت بنفسها تحضر الكتب وتصنفها، وتضعها في صناديق بلاستيكية، وكانت تستغلّ علب الأحذية الفارغة لتصنع منها صنادق كتب. إنها ذات عبقرية إدارية في ما يخص إدارة الكتب؛ شراءها وقراءتها، وإقناع الآخرين بقراءتها، وأنها معلمة بالغة التأثير في طلابها وفي المحيطين بها من قراء خارج منظومة التعليم، ومن أولياء أمور الطلاب.
كل تلك الكتب بتجهيزاتها كانت في حجرة الصف السادس تشرف على هذا النشاط السيدة ميلر، وتديره بحب وشغف، لأنها هي في الأساس امرأة تقرأ الكتب، وتجمعها، وتتابع كل ما يصدر منها، وتستمع لترشيحات طلابها النهمين لتقرأ بعض الكتب، إنها تطمح لأن تشكل عائلة تقوم على حب الكتب ومبادلتها والحديث بشأنها، إنها كما قالت لا بد من وجود مجتمع للقراءة حتى تنجح في القراءة وتستمرّ بها، بل تذهب إلى أبعد من هذا فهي تتخذ من الكتب وسيلة للتواصل مع الآخرين، وتناقش ذلك تحت عنوان فرعي “التواصل عن طريق الكتب”، تقول فيه: “إنني لست من النوع الذي يُظهر مشاعره، لكنني إذا جلبت لك كتاباً لم تطلبه، فاعلم أنني أهتم بك. لقد قلت لك كل شيء أودّ قوله لك من خلال ذلك الكتاب. لديّ ما يكفي من الحكمة لأقرّ بأن كلمات أي مؤلف أكثر بلاغة من كلماتي”.
وعلى الرغم من عشقها لعملها كمعلمة قراءة، وحبها لطلابها وانغماسها في مكتبتها الصفية إلا أنها لم تهمل المكتبة المدرسية، لقد أوجدت ميلر متسعاً من الوقت ليزور طلابها تلك المكتبة، وليتعرفوا على ما فيها من كتب ويمارسوا فيها حريتهم في الاختيار والاستعارة، لكنّ انتماءها الأول والكبير لمكتبتها الصفية، فهي التي شكلت مصنعاً قرائياً مع هؤلاء الطلاب الذي وثقوا بها، وعبروا بحرية عن آرائهم تجاه ما يقرؤون من كتب سواء أكانت مفيدة أو مملة أو لم يستطيعوا إكمال بعضها.
لقد وقع هذا الكتاب بين يديّ وأنا مشغول بتأليف كتابيّ الاثنين عن قراءة الكتب، لأول مرّة من عمر التأليف، أعمل بالتوازي على كتابين معاً. كتابي الأول “خارج المتون… داخل العقل- تأملات في القراءة والكتب” يتحدث عن قراءتي للكتب، وكيف أقرأ، وما الكتب التي تعنيني، وكيف أحصل على الكتب، وتشكيل مكتبة خاصة فيها أنواع متعددة من المعارف بمجموع لا يقل عن (9) آلاف كتاب، إنه يتحدث عن تاريخ طويل من معايشة القراءة ممتد لأكثر من (45) عاماً من مجموع سنواتي التي ما زلت أعيشها ووصلت على أعتاب (54) عاماً.
في حين أن الكتاب الآخر هو “القراءة في السياق المدرسي”، إنه كتاب خارج من رحم كتابي الأول، بعد أن تضخم حجمه، فرأيت أن أفصل تجربة تعلم القراءة وتعليمها في المدارس والأنشطة التي تستهدفها في كتاب آخر، فكان هذا الكتاب، لذلك فإنني أعمل عليهما معاً، بصفتهما كتابين متشابهين في الهدف والفلسفة، لكنهما يختلف في طبيعة خطاب القراءة، لا أذكر في الكتاب الثاني أي شيء تقريباً عن كتب الأدب، وما قرأته منها، إنما ما هي تجربتي في مهارات القراءة والتشجيع عليها خلال عملي معلماً ومشرفاً تربوياً ومدرباً، وخاصة خلال عملي مشرفاً تربوياً وعضواً عاملاً في جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل، لقد اكتشفت أن مهمتي مشرفاً على مبحث اللغة العربية أنني مشرف أولاً وأخيراً على مهارة القراءة، ولم تخلُ كثير من تقارير الزيارات الإشرافية من الإشارة إلى القراءة، بوصفها أداة التعلم، ومهارة ينبغي للطلاب أن يتعلموها كذلك ويتقنوها، وكذلك الحال كنت أمارس أدواراً لها علاقة بالقراءة وأنا أمارس بعض أعمال الجمعية.
عند هذه النقطة التقيت مع السيدة ميلر، مع اختلاف في التجربة، لقد أثارني في كتابها أولاً الملحق (أ) الذي تتحدث فيه عن “العناية بمكتبة الفصل وإمدادها بالكتب”، تتقاطع أفكار هذا الملحق مع فكرة إنشاء مكتبات صفية في الصفوف من الأول الأساسي وحتى السادس التي عملت عليها فترة من عمر الإشراف التربوي، لقد تحدثتِ السيدة ميلر في هذا الفصل عن إنشاء مكتبة صفية وخزائن الكتب والرفوف والاستعارة منها والتخفف من قيود إرجاع الكتب والتعامل معها، وجعلها متاحة أمام الطلاب في الغرفة الصفية ليقرأوا منها ما أرادوا، أو أن يستعيروا ما شاءوا. قرأت هذا الفصل أولاً، وأعجبت بأسلوب المعلمة في نقل شغفها بالكتب إلى الطلاب، لقد كانت صادقة مع نفسها في ما نقلته من خبرتها، وحتى تستطيع أن تجعل طلابك يقرؤون لا بد من أن تكون قارئاً نهماً شغوفاً بالكتب، لقد كانت ميلر هذه القارئة النهمة والمعلمة التي تعلّم على بصيرة، وتحقق نتائج مبهرة في عملها خلال عام دراسيّ واحد، لقد استطاعت أن تجعل طلابها يقرؤون بحرية، فقد “قرأ أربعة وخمسون طالباً (3332) كتاباً بمتوسط (62) كتاباً لكل طالب. وأقل عدد من الكتب قرأه أي طالب كان (22) كتاباً”. إنها رأت أحلامها تتحق في نجاحها في دفع القارئ المختبئ في الطلاب أن يصحو، ويقرأ، ويستمر في القراءة، إضافة إلى أن طلابها حققوا علامات متميزة في اختبارات الأداء التي كانت تعقدها الولاية بخصوص قياس مهارات القراءة.
ثمة أمور تعتقد ميلر أنها تخرّب خطتها في القراءة الحرة القائمة على حب الكتب، أولها فرض كتب محددة على الطلاب ليقرأها الجميع. إن هذه كارثة، كيف تفرض كتاباً على طالب، والطالب لا يحب هذا الكتاب ووجده مملاً ولا يتتناسب وهواياته وما يفكر فيه؟ وثانيها القراءة من أجل العلامة وارتفاع نسبة النجاح في اختبارات القراءة التي كانت تعقد على مستوى الولاية، وثالثها الإجراءات المصاحبة للقراءة، كسجلات القراءة اليومية التي يُجبر الطالب أن يسجل فيها ما قرأه، وأن يوقع وليّ الأمر على هذه السجلات، وككتابة التقارير حول الكتب المقروءة أو العروض التقديمية، كل هذه الإجراءات كانت تثقل كاهل الطلاب، وتنفرهم من القراءة وذات مردود متواضع في الحث على القراءة، لذلك فقد تحلّت بالشجاعة والجرأة القيادية؛ فتخلت عنها ميلر لصالح إجراءات أفضل، لقد جربت ميلر مثلاً الإعلانات القصيرة عن الكتب، واكتفت بأن ترى الطلاب يقرأون في الصف، وأن تجلس معهم، تقرأ وهم يقرأون، وترشح لهم الكتب التي قرأتها، ويرشحون لها وللزملاء الكتب التي قرأها كل واحد منهم، إن القارئ يحب أن تقرأ كتاباً رشحته له، لقد فهمت ميلر هذا الأمر، فلم تمتنع عن قراءة كتاب رشحه لها طالب في الصف السادس، وهي أيضاً طالما عبرت عن سعادتها عندما كان الطلاب أو أحدهم يستجيب لترشيحاتها عن الكتب التي قرأتها، فيقرؤون تلك الكتب ويعجبون بها.
لقد شكلت السيدة ميلر مجتمعاً قارئاً من طلابها في الصف السادس، كما أنها كانت- من قبل أن تتزوج- فتاة قارئة، وأمها هي من كانت تشجعها وترعاها حتى خرجت على ما هي عليه من شغف بالقراءة، وعندما ارتبطت بزوجها كان من النوع الذي تفضله، لقد كان قارئاً أيضاً، وأنجبت طفلتين، وهما قارئتان كذلك. لن أبالغ لو قلت إن دونالين ميلر طراز من القراء النهمين والمعلمين الخبراء الذين لا يجد لهم المرء مثيلاً في المجتمع المدرسي أو في الحياة العامة، حتى أنا لم أكن معلماً مثل ميلر، وما ينبغي لي أن أكون مثلها، إنها تتفوق علينا كلنا، بوصفنا قراء، وبوصفنا معلمين كذلك، وقد لخصت كل تلك المسيرة بقولها: “إن القراءة هي السبيل الذي اخترته لحياتي، لكل جانب فيها، سواء داخل الفصل المدرسي أو خارجه”.
وبعدُ؛ فهل يمكن لتجربة هذه المعلمة أن تنجح في مدارسنا، فمهما حاولنا تطبيق جزئية منها وهي “المكتبات الصفية” إلا أن تلك المكتبات اصطدمت بعوائق كثيرة، فنحن نعلّم ضمن نظام تعليم مغلق، ليس فيه حرية قرار أو تحرك، والكل يسير على خطة واحدة، وكتب مقررة واحدة، ومهمتهم واحدة هي قطع المقررات وإنهاؤها، ولا يقرأ الطالب إلا من أجل العلامة، حتى أولئك المتفوقون منهم، نادراً ما تجد من يشذّ عن هذه المنظومة، ولا تجد من بين معلمينا من هو مهتم جداً بقراءة الكتب، ولا يوجد في مدارسنا حالياً ونظامنا التعليمي أية خطة لقراءة كتب رديفة، كما كان في السابق مثلاً عندما كنت طالباً، فقد كان معلم اللغة الإنجليزية يقرأ علينا قصة (روبنسون كروزو) في المرحلة الإعدادية، وفي المرحلة الثانوية قرأنا “عبقرية الصديق”، وربما كان في فترة من الفترات كتاب “حضارتنا” أو كتاب “الرسالة الخالدة” ضمن تلك القراءات خارج الكتاب المقرر. لقد انتكسنا مع مرور الزمن بدلاً من أن نتطور، فكيف لأمثال دونالين ميلر أن يكونوا موجودين بيننا، بل لو كانت بيننا معلمة مثل ميلر لاتهمت بالجنون والتخريب، والعمل ضد المصلحة العليا للشعب والوطن.
لكنْ، وعلى الرغم من كل ذلك، ليس عيباً لو قرأ كل المعلمين هذا الكتاب، ولو من باب المتعة أو الفنتازيا، سيكون نافعاً بلا أدنى أشك في ذلك!