رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الرابح لن يأخذ شيئاً

هل صحيح ان الحرب على ايران لم تحقق اهدافها؟ اليس تدمير القدرات هو الهدف؟ ام اننا تعودنا على نهايات نمطية للحروب وراية بيضاء؟ هل صحيح ان الرئيس ترامب يبحث عن مخرج طوارئ؟
النهايات النمطية التقليدية للحروب كما في السينما كرفع الراية البيضاء وتوقيع معاهدة استسلام لم يعد خياراً وحيداً بل يكفي أن تخرج العدو من التاريخ وتدمر قدراته العسكرية والاقتصادية وبنيته الصناعية وجعله يحاول سنوات من أجل اعادة بناء ما دمرته الحرب، أي الانكفاء نحو الداخل.
هذا هو هدف الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران وحسب هذا المنطق إن تغيير القدرات سيغير السلوك وحتى في حال مفاوضات فلن يأتي المفاوض العدو وبلده مدمر الى الطاولة بكامل الثقة والاصرار بعد ان ترك خلفه دولة تحاول البقاء وتضميد الجراح وحربا داخلية سرية بينها وبين الجواسيس وبين نخب صامتة من داخل النظام.
وهذه النخب الصامتة هي الاخطر من الاختراقات الأمنية التي يمكن التعامل معها ووصفهم بالخونة لكن من الصعب وصف النخبة الصامتة بالخونة وهم جزء من النظام. هؤلاء قنبلة موقوتة حاولت اسرائيل تمهيد الارضية لها بقتل الخط الاول من القادة.
الهدف الامريكي الاسرائيلي والدول التابعة لهما هو ايران منهارة وضعيفة كعراق ما بعد 2003. لكن هذا لن يتحقق مهما كانت نتائج التخريب وحتى النخبة الصامتة لا تستطيع الخروج من بين الانقاض.
النهايات الهوليودية لم تعد موجودة في الحروب الحديثة بوثيقة استسلام لكن قد تنتهي الحرب والنظام كما هو لكنه في وضع صعب بعد تدمير المنشآت الحيوية كالمطارات، المصافي، مراكز البحوث وغيرها.
من اليوم الأول استوعب النظام الايراني الضربة القاضية بعد اغتيال القادة وانتقل الهدف الى ضرب البنية التحتية للسلاح ثم محطات الطاقة والوقود والمؤسسات المدنية لخلق فوضى وتحريك الناس.
النهايات التقليدية القديمة تتوقف عند لحظة بيان او خطاب النصر لكن اثبتت الحروب الامريكية في افغانستان وايران وفيتنام ان هذه نهايات مفتوحة على حروب من نوع مختلف: مقاومة. كما أثبتت كل الحروب الاسرائيلية النتيجة نفسها: حرب تفرخ أخرى.
اذن بدل الاستسلام هناك هدف تقليم الاظافر ونزع الانياب لكن في الحالة الايرانية مثل هذا الهدف غير ممكن التحقق لأن إيران منذ عام 1979 وهي في حالة حصار وتقليم أظافر ودخلت ثماني سنوات في حرب مع العراق بلا جيش ــــــــــــــــ تم حل الجيش الامبراطوري ـــــــــــــ ومقابل هذه السياسة الامريكية في التدمير، هناك سياسة الاستنزاف والتآكل التدريجي للعدو في حرب طويلة على جبهات.
مقابل المطرقة الامريكية الاسرائيلية هناك النسج السجادي والصبر الطويل وتوزيع الجبهات. ليس في العقيدة الاسرائيلية العسكرية ولا الامريكية خوض حرب طويلة وفي كل الحروب لم تحقق هذه العقيدة هدفاً لذلك تلجأ الى التدمير الوحشي الشامل.
النظام الايراني مصمم على الضربات وعلى الحصار والعزلة وأسس لهذا السبب ” مدن الصواريخ” في أعماق الجبال واتباع سياسة من يكسر ارادة الآخر بدل سياسة التدمير. الحرب في النهاية صراع ارادات تخاض بالسلاح.
قد تخرج ايران مؤقتا من التطور في مجال الاسلحة لكنه لن يخرجها من ساحة الحرب على أرضها. انتقلت أمريكا من شعار تغيير النظام الى تدمير القدرات وانتقلت ايران من حرب مواجهة معها ومع اسرائيل الى حرب شاملة وخيار شمشون: عليّ وعلى أعدائي. “اذا مت ظمآناً، فلا نزل القطر” على قول الشاعر أبو فراس الحمداني.
تستطيع أمريكا واسرائيل إحداث التدمير التقني لكنه سيقابل بسياسة الصبر الاستراتيجي رغم كل الضربات وهذه السياسة صدمت الرئيس الامريكي مرات وعبر عنها بوضوح في انه لم يتوقع الرد الايراني لأن قياسات الرئيس بناء على خطط اسرائيلية.
تآكل القدرة الأمريكية ليست فرضية واحتمالاً بل عبارة عن كابوس حقيقي بعد أن فتحت ايران جبهات متعددة وضعت العالم أمام تحديات كبيرة وغير متوقعة: أزمة طاقة.
الحروب التي لا تنتهي كما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق سيعيد الذاكرة الأمريكية الى الوراء ومع ارتفاع عدد القتلى الامريكيين، سوف لن يبقى الشارع الأمريكي صامتاً وهو الآن يتململ حتى في صفوف النخبة السياسية والاعلامية والمالية.
نحن في مواجهة قد لا تكون نهايتها تقليدية من منتصر وخاسر بل أمام انزلاق بطيء نحو القاع الذي قد يجرف جميع دول المنطقة معه والرابح لن يأخذ شيئاً.: هذه الرأسمالية في ذروة توحشها ولن تكون إيران المحطة الأخيرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى