د . ميخائيل عوض يكتب : بعد فتوى الثأر : طوفان الولائيون العالمي ، الرعب الذي لم يحسبه المعتدي … لبنان الوقت ينفذ : حرب على مزاج نتنياهو واحتلال أمريكي مباشر .. تركيا الحصان الأسود استخدامها ثم الانقلاب عليها !!!!

بعد فتوى الثأر : طوفان الولائيون العالمي، الرعب الذي لم يحسبه المعتدي … لبنان الوقت ينفد : حرب على مزاج نتنياهو واحتلال أمريكي مباشر…تركيا الحصان الأسود استخدامها ثم الانقلاب عليها .
ميخائيل عوض / لبنان
*فتوى الثأر… من ردّ على الاغتيال إلى طوفان ولائي عالمي يبدّل قواعد الاشتباك*
ما بين سطور إعلان الولي الفقيه لتكليف الثأر عقب انتهاء مراسم التشييع المليونية للسيد علي الخامنئي . “فتوى الثأر”، التي يراها نقطة انتقال استراتيجية نقلت الصراع من مواجهة بين دول وجيوش إلى حالة تعبئة عقائدية وسياسية عابرة للحدود. ووفق قراءتنا، فإن هذه الفتوى لم تعد، في نظر مؤيديها، مجرد دعوة للرد على اغتيال قيادات إيرانية، بل تحولت إلى إطار تعبئة واسع يشمل كل من ينتمي إلى محور الولاية، بغض النظر عن جنسيته أو موقعه الجغرافي، بما يجعل ساحة المواجهة تمتد من حدود إيران إلى ما هو أبعد من الجغرافيا، إلى استدعاء الولاء العابر للحدود.
إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تراهنان على أن تؤدي سياسة الاغتيالات واستهداف القيادات إلى إرباك النظام الإيراني، وإضعاف تماسكه الداخلي، ودفعه إلى الانكفاء أو القبول بتسويات تحت الضغط. إلا أننا نعتقد أن النتيجة جاءت، من وجهة نظرنا ، معاكسة تماماً، إذ ولّد اغتيال الولي الفقيه حالة تعبئة شعبية وسياسية واسعة، ورسخ خطاب الثأر بوصفه عنواناً للمرحلة المقبلة، وهو ما يعتبره “الرعب الذي لم يكن في حسابات أحد”. فبدلاً من تفكيك محور إيران، نرى أن الحرب دفعت إلى إعادة توحيده وتعزيز استعداد مكوناته للدخول في مواجهة طويلة النفس، تتجاوز حدود المعارك التقليدية.
إن أهم ما في هذه المرحلة هو انتقال مركز الثقل من الجبهات العسكرية النظامية إلى ما نصفه بـ”الطوفان الولائي العالمي”، أي حالة الاستنفار التي قد تجعل المصالح والقواعد والنفوذ الأمريكي والإسرائيلي عرضة لضغوط واستنزاف مستمرين في أكثر من ساحة وفي أوقات مختلفة، بما يحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة لا تحكمها الجغرافيا وحدها. ومن هذا المنطلق، نرى أن معادلات الردع القديمة بدأت تتغير، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل ستواجهان، بيئة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، لأن المواجهة لم تعد محصورة بقدرات دولة، بل باتت مرتبطة بحالة تعبئة أيديولوجية وشبكة تحالفات عابرة للحدود نعتبر أنها اكتسبت دافعاً إضافياً بعد أحداث الحرب الأخيرة.
إن فتوى الثأر، ليست حدثاً عابراً أو خطاباً سياسياً ظرفياً، بل إعلان عن دخول المنطقة مرحلة جديدة من الصراع الطويل، تتراجع فيها أهمية الهدن المؤقتة والمفاوضات التقليدية أمام منطق الاستنزاف المستمر وتعدد ساحات الاشتباك، إن هذه المرحلة ستكون، إحدى أبرز النتائج الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب الجارية.
*إيران بعد التشييع… وجه جديد أكثر جرأة وإصراراً على تغيير العالم*
إن مشاهد التشييع المليونية كانت بمثابة إعلان عن ولادة مرحلة جديدة داخل الجمهورية الإسلامية. فإيران،
خرجت من جولات العصف أكثر تماسكاً وثقة بالنفس، وأكثر اقتناعاً بأن المعركة لم تعد دفاعاً عن حدودها فقط، بل معركة لإعادة صياغة العالم كله بقواعد ونظام دولي جديد؛ وبنفوذ إيراني كبير وثقل نوعي إقليمي ودولي.
ونؤكد أن القيادة الإيرانية باتت تتصرف انطلاقاً من قناعة بأن زمن الهيمنة الأمريكية على الخليج والممرات البحرية شارف على نهايته، وأن التحكم بالمضائق البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أصبح جزءاً من معادلة سيادية لا تقبل التفاوض بالشروط الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، نعتبر أن التفاوض الجاري ليس تفاوضاً لإنهاء الحرب، وإنما تفاوض تحت النار لتثبيت وقائع ميدانية جديدة، وأن إيران تسعى إلى فرض اعتراف دولي بميزان القوى الذي أنتجته المواجهة العسكرية، وليس العودة إلى ما كان قائماً قبلها.
وأن أي تراجع إيراني، وفق هذا المنطق، سيعني خسارة استراتيجية، ولذلك فإن احتمالات التراجع تبدو محدودة جداً، بينما يزداد احتمال استمرار التصعيد حتى تتكرس الوقائع الجديدة.
*ترامب بين قبول التنازل وإعلان الهزيمة أو العصف الأخير وإعلان الهزيمة… السقوط الاستراتيجي*
إن الرئيس الأمريكي ترامب يقف اليوم أمام أخطر مأزق استراتيجي في مسيرته السياسية، بعدما اصطدمت رهاناته العسكرية والسياسية بواقع ميداني لم يحقق الأهداف التي أُعلنت مع بداية الحرب. فالمشروع الذي انطلق، لإسقاط إيران أو إخضاعها وإعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية على الخليج وطرق الطاقة، انتهى إلى نتيجة معاكسة، إذ خرجت إيران أكثر تماسكاً، وتحول مضيق هرمز إلى محور الصراع والتفاوض، بينما لم تتمكن واشنطن من فرض شروطها أو انتزاع استسلام إيراني كما كانت تتوقع.
إن ترامب لم يعد يمتلك سوى خيارين لا ثالث لهما. الأول، وهو الأكثر واقعية ، الاعتراف الضمني بالهزيمة عبر القبول بوقائع جديدة تفرضها موازين القوى التي أفرزتها الحرب، بما يعني بداية انحسار النفوذ الأمريكي في الخليج وشرق المتوسط. أما الخيار الثاني، فهو الذهاب إلى ما يسميه “العصف الأخير”، أي استخدام كل ما تبقى لدى الولايات المتحدة من أدوات ضغط عسكرية وسياسية وأمنية في محاولة أخيرة لتغيير مسار الحرب قبل أن يجد نفسه مضطرا إلى إعلان الهزيمة بصورة أو بأخرى.
ونرى أن هذا “العصف الأخير” لن يكون موجهاً نحو إيران وحدها، لأن المواجهة المباشرة معها باتت ، مرتفعة الكلفة ومحفوفة بالمخاطر، بل سيتجه إلى الساحات التي تعتبرها واشنطن أكثر قابلية للضغط والتأثير، وفي مقدمتها العراق وسوريا ولبنان، حيث ستسعى الإدارة الأمريكية، إلى تعويض إخفاقها في الخليج عبر إعادة الإمساك بالمشرق العربي، ومحاولة إحداث تحولات سياسية وأمنية تمنحها أوراق تفاوض جديدة.
إن الولايات المتحدة ستستخدم خلال هذه المرحلة جميع الأدوات المتاحة لها؛ من الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية، إلى توسيع الحضور العسكري، وتحريك الملفات الأمنية، والاستفادة من الحلفاء الإقليميين، بهدف إظهار أنها ما زالت تمسك بزمام المبادرة. ونؤكد أن هذه التحركات، لا تعكس موقع المنتصر، بل هي محاولات لاحتواء تداعيات التراجع ومنع انهيار صورة الردع الأمريكي التي تعرضت، لاهتزاز غير مسبوق.
إن ترامب لم يعد يملك فرصة لإعادة إنتاج انتصار تكتيكي يعوض الخسارة الاستراتيجية، لأن ميزان القوى الذي ولدته الحرب تجاوز قدرة واشنطن على العودة إلى ما قبلها. لذلك نرى أن أي تصعيد أمريكي جديد سيكون، في جوهره، محاولة لتحسين شروط الخروج وليس لتغيير النتيجة النهائية، وأن الإدارة الأمريكية ستقاتل في ما تبقى لها من ساحات نفوذ قبل أن تضطر إلى التسليم بواقع إقليمي جديد يفرض نفسه تدريجياً.
إن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الخطورة، لأن واشنطن، قبل الإقرار بالفشل، قد تلجأ إلى تصعيد واسع في الساحات الهشة لإرباك خصومها وتأخير لحظة الاعتراف بالهزيمة، وإلى إلقاء الذخيرة المحتشدة في المتوسط إلا أن ذلك، بحسب تقديرنا ، لن يغيّر مسار الحرب بقدر ما سيؤخر إعلان نتائجها، في انتظار اللحظة التي تصبح فيها الوقائع الميدانية والسياسية أقوى من أي محاولة أمريكية للالتفاف عليها.
*لبنان على إيقاع نتنياهو… مشروع يتجاوز الحرب إلى إعادة هندسة الجنوب والوقت ينفد*
إن ما يجري في لبنان لم يعد مجرد استمرار للاشتباكات الحدودية أو تطبيقاً لاتفاقات أمنية بعد الحرب، بل يمثل، مرحلة جديدة من مشروع أوسع يستهدف إعادة رسم الواقع اللبناني سياسياً وأمنياً واقتصادياً. ونعتبر أن مسار الأحداث بات يتحرك وفق الإيقاع الذي يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى، إلى استثمار نتائج ورقة الذل لتحقيق أهداف استراتيجية عجز عن فرضها بالقوة العسكرية المباشرة، مستفيداً من الغطاء الأمريكي، ومن المناخ السياسي المتآمر الذي توفره سلطة الانتداب لحكومة أبو عمر.
وأن الخطورة تكمن في تحويل الاختراقات الإسرائيلية إلى وسيلة لفرض وقائع دائمة على الأرض، بحيث يصبح الجنوب اللبناني تدريجياً منطقة تخضع لترتيبات أمنية وسياسية جديدة تقيّد قدرة المقاومة، وتفتح الباب أمام حضور أمريكي وإسرائيلي غير مباشر تحت عناوين مختلفة. ونرى أن ما يُقدَّم على أنه إجراءات تقنية أو أمنية مؤقتة يخفي، وفق رؤيتنا، مشروعاً طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب، وربطها بمنظومة إقليمية جديدة تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ومن هذا المنطلق نحذر من أن عامل الوقت أصبح بالغ الحساسية، وأن كل يوم يمر يسمح بتثبيت خطوة إضافية من هذا المشروع، وأن وأد الفتنة بقطع رأسها وإسقاط السلطة التي جاءت لتمرير المشروع الصهيوأمريكي في لبنان.
*360 من قوات النخبة الأمريكية… تكرار نموذج غزة في جنوب لبنان*
إن الإعلان عن نشر نحو 360 عنصراً من قوات النخبة الأمريكية في جنوب لبنان هو أحد أخطر المؤشرات على طبيعة المرحلة المقبلة، وأن أهمية هذا التطور لا ترتبط بعدد القوات، بل بالدور الذي ستؤديه والمهام التي يمكن أن تُسند إليها. ونرى أن هذه القوة ليست مجرد بعثة مراقبة أو دعم تقني، بل تمثل، رأس جسر لوجود احتلال أمريكي مباشر يهدف إلى الإشراف على إعادة هندسة الواقع الأمني في الجنوب، والمشاركة في اختيار الوحدات العسكرية اللبنانية التي ستعمل ضمن الترتيبات الجديدة، بما يضع القرار الميداني تحت إشراف أمريكي-إسرائيلي.
ونربط هذا السيناريو بما جرى تطبيقه في قطاع غزة، بعد عجز نتنياهو عن إنهاء غزة حجرا وبشرا بإعلان ترامب مجلس السلام الذي بدأ بقوات محدودة وبعناوين إنسانية وأمنية، قبل أن يتطور إلى ترتيبات ميدانية أوسع خدمت، الأهداف الإسرائيلية في السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع وفرض وقائع جديدة. وتمهيد الأرض لمشروع ريڤييرا الشرق الترامبي .ومن هنا نحذر من أن جنوب لبنان يتحول إلى محطة ثانية لتطبيق النموذج نفسه، بحيث يبدأ الحضور الأمريكي محدوداً، ثم يتوسع تدريجياً ليشمل مواقع ومهام إضافية، وصولاً إلى تكريس نفوذ دائم يمتد من الحدود الجنوبية نحو العمق اللبناني.
إن المشروع، كما نقرأه، لا يقتصر على البعد العسكري، بل يرتبط أيضاً بالسيطرة على الجغرافيا الاقتصادية، ولا سيما المناطق الممتدة حتى الزهراني، التي نعتبرها عقدة أساسية في مشاريع الطاقة وخطوط النفط والغاز الإقليمية. ونرى أن تثبيت وجود أمريكي في هذه المنطقة سيمنح واشنطن وإسرائيل قدرة أكبر على التحكم بالممرات الاقتصادية المستقبلية، ويجعل الجنوب اللبناني جزءاً من مشروع إقليمي أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ والطاقة في شرق المتوسط.
إن ما يجري في لبنان، ليس سلسلة إجراءات منفصلة أو استجابة لاعتبارات أمنية آنية، بل مسار متكامل تتداخل فيه الأهداف العسكرية والسياسية والاقتصادية، ويهدف إلى فرض واقع جديد يصعب تغييره لاحقاً إذا اكتمل، وهو ما يجعله يدعو إلى التعامل مع التطورات الحالية باعتبارها مرحلة تأسيسية لمشروع أكبر، لا مجرد تداعيات عابرة لما بعد الحرب.
وبحسب هذه القراءة، فإن المشروع لا يقتصر على الأمن، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل لبنان إلى منطقة استثمارية تخدم مصالح الإدارة الأمريكية والشركات المرتبطة بها، على غرار ما جرى التخطيط له في قطاع غزة بعد الحرب.
*تركيا… الحصان الأسود في المشروع الأمريكي*
وفي قراءتنا للدور التركي، خاصة بعد قمة الأطلسي في أنقرة نرى أن واشنطن تنظر إلى أنقرة باعتبارها الأداة الأنسب للمرحلة المقبلة، خاصة بعد أن تبينت حدود القوة الإسرائيلية وانهارت وظيفيا، مما جعل ترامب يبدل أحصنته مستعينا بالأداة التركية لتثبيت سيطرة غير مباشرة على بلاد الشام والرافدين.
وأن الدعم الأمريكي ليس شراكة استراتيجية حقيقية، وإنما استخدام مرحلي يخدم المصالح الأمريكية فقط.
إن التاريخ الأمريكي، يقوم على استثمار الحلفاء حتى إنجاز المهمة المطلوبة، ثم التخلي عنهم أو الانقلاب عليهم عندما تنتفي الحاجة إليهم.
ولذلك نرى أن تركيا ستواجه المصير نفسه، إذا استمرت في أداء هذا الدور، وأن الأمريكي اذا نجح في إغراء أردوغان الطامع بالمزيد من أحلام السيطرة فإنه بعد إتمام المهمة ستعمد أمريكا إلى الانقلاب عليه و نقل الضغوط إلى الداخل التركي نفسه، عبر إثارة الانقسامات والأزمات السياسية والأمنية، بما يؤدي إلى تفجيرها من الداخل وتفكيكها وانقسامها وبالتالي نهاية تركيا بشكلها الذي أنشأت عليه منذ سايكس بيكو.
🖊 ميخائيل عوض