الإذاعية سمر محمد الصايم تكتب: الفصل الثاني : اسكت… أنت متهم بالضعف!
(( من سلسلة من وراء الستار ))

“السكوت علامة الرضا ”
هكذا يقول المثل الشعبي، وكأن الإنسان حين يصمت يكون قد وقّع على الموافقة، وختم كلام الآخرين بختم الرضا، وأعلن أنه لا اعتراض لديه عما يُقال أو يحدُث .
لكن من قال إن كل سكوت رضا؟
ماذا نفعل إذن مع إنسان صمت لأنه تعب من الكلام؟
وماذا نقول لمن إختار السكوت عنوان الموقف لأنه قال كل شيء من قبل، ولم يجد من يسمعه؟
وماذا عن الذي ابتلع رده، ليس لأنه لا يملك ردًا، ولكن لأنه يعرف أن بعض الكلام إذا خرج، لن يعود شيء كما كان؟
ربما كان المثل يحتاج إلى تعديل صغير.
(( فالسكوت ليس دائمًا علامة الرضا… أحيانًا يكون علامة أن الكلام لم يعد له جدوى ))
نحن نعيش في زمن غريب، أصبح فيه ارتفاع الصوت دليلًا على القوة، وسرعة الرد دليلًا على الذكاء، والدخول في كل معركة دليلًا على الشجاعة.
أما الذي يصمت، فيُتهم فورًا و تصدر ضده الأحكام ….
إذا لم يرد، قالوا: ضعيف.
إذا لم يدافع عن نفسه، قالوا: خائف.
إذا تجاوز الإساءة، قالوا: لم يجد ما يقوله.
وإذا ابتعد عن الجدال، قالوا: هرب.
كأن القوة لا بد أن يكون لها صوت، وكأن الكرامة لا بد أن تصرخ حتى يصدقها الآخرون.
لكن الحقيقة أن الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي رد فيها، وإنما بعدد المرات التي كان يستطيع فيها أن يرد واختار ألا يفعل.
فليس كل صامت عاجز …
هناك صمت الخوف، نعم ، و هناك صمت العجز و قلة الحيلة أو ضعف الشخصية ..
لكن هناك أيضًا صمت ” النضج ” ، وصمت ” الحكمة ” ، وصمت ” الكرامة ” ، وصمت الإنسان الذي أدرك أن بعض المعارك لا تستحق عناء أن يخرج إليها من بيته ..
قد يقف أمامك شخص ويقول عنك كلاماً تعرف أنه غير صحيح، وتكون لديك عشرات الردود، بل وربما عشرات الحقائق التي تستطيع بها أن تُسقط كلامه كله.
لكنك لا تفعل !!!!
ليس لأنك لا تستطيع…
بل لأنك لا تريد أن تصبح نسخة ممن آذاك ، نسخة لا تُشبهك ..
وهذه ربما واحدة من أصعب صور القوة …
أن تستطيع أن تؤذي، ثم تختار ألا تؤذي.
أن تستطيع أن تفضح، ثم تحفظ السر.
أن تستطيع أن تنتقم، ثم تترك الأمر للزمن.
أن تعرف الحقيقة كاملة، ثم تقول لنفسك:
“لا يستحق.”
فالإنسان لا ينتصر دائمًا عندما يقول الكلمة الأخيرة.
أحيانًا ينتصر عندما يقرر ألا يقولها.
والتاريخ نفسه يعرف أن القوة ليست دائمًا في الضجيج. ففي لحظات كثيرة صنعت الهدوء والقدرة على ضبط النفس ما لم تصنعه الخطب الطويلة.
ولعل نيلسون مانديلا واحد من أشهر الأمثلة على ذلك؛ رجل خرج من سنوات طويلة من السجن، وكان يستطيع أن يجعل غضبه وقودًا لانتقام لا ينتهي، لكنه اختار طريقًا آخر، وجعل من ضبط النفس والتسامح جزءًا من انتصاره.
لم يكن ذلك ضعفًا … كانت الحكمه ..
كان يعرف أن بعض المعارك لا تُحسم بالصوت الأعلى، وإنما بالنفس الأطول.
وهكذا هي حياتنا الصغيرة أيضًا ..
قد تكون مظلومًا في عملك، وتعرف من ظلمك، لكنك تختار التوقيت المناسب للكلام بدل أن تتحول أيامك إلى معارك .
وقد تتعرض لإساءة من شخص تحبه، فتكتشف أن الرد لن يعيد ما انكسر .
وقد يخطئ في حقك شخص ائتمنك يومًا على أسراره، فتظل أسراره عندك، حتى بعد أن تنتهي علاقتكما.
ليس لأنك عاجز عن الانتقام ، بل لأنك لا تريد أن تدفع ثمن أذى غيرك من أخلاقك أنت.
وهنا يصبح الصمت موقفًا أخلاقيًا، لا مجرد غياب للكلام.
لكن هناك نوعًا آخر من الصمت، أكثر وجعًا و هو صمت الإنسان الذي تعب من أن يشرح نفسه.
في البداية يشرح.
ثم يبرر.
ثم يعيد الحكاية.
ثم يقدم التفاصيل.
ثم يقول: “أنا لم أقصد.”
ثم يكتشف في النهاية أن الطرف الآخر لم يكن يبحث عن الحقيقة أصلًا، وإنما كان يبحث عما يؤكد حكمه المسبق.
وهنا يتوقف الكلام.
ليس لأن الحقيقة تغيرت…
بل لأن صاحبها أدرك أن بعض الآذان لا تريد أن تسمع ..
وكم هو مرهق أن تضطر طوال الوقت إلى إثبات أنك لست الشخص الذي قرره الآخرون في أذهانهم.
فالناس لا تحب الفراغ …
يجب أن تملئ الفراغ حتى و لو ب إجابات خاطئة (( مبدأ ماتسيبش الورقه فاضيه ))
إذا لم تشرح، اخترعوا تفسيرًا ..
إذا لم ترد، كتبوا لك سببًا ..
إذا ابتعدت، قالوا إنك خسرت ..
إذا لم تنتقم، قالوا إنك خفت ..
وإذا سكتّ عن الإساءة، قالوا: ضعيف
أخبروني كيف يكون “السكوت علامة الرضا ” ؟؟!!!
يا لها من جملة ظالمة جداً
فقد يكون الصمت هو آخر ما تبقى للإنسان من كرامته.
وقد يكون وراءه كلام لو قيل، لتغيرت علاقات كاملة.
هناك شخص يستطيع أن يقول عنك أشياء لا يعرفها أحد، لكنه اختار أن يحفظ لك ما بينكما.
وهناك شخص يستطيع أن يرد عليك أمام الجميع، لكنه اختار أن يحافظ على كرامته و كرامتك ..
وهناك من ابتعد دون فضائح، ودون رسائل طويلة، ودون أبواب تُغلق بعنف.
فقط…
توقف عن السؤال.
توقف عن العتاب.
توقف عن الانتظار.
ثم قال الناس:
” اتغير ” …. !!!
لا …. لم يتغير ..
هو فقط توقف عن محاولة أن يبقى كما تريده أنت أو كما اعتدته أنت .
وهذا من أكثر الأشياء التي لا ننتبه إليها في علاقاتنا …
نحن نعتاد أدوار الناس ..
هذا هو الذي يسامح
وهذه هي التي تتحمل
هذا هو الذي يضحك دائمًا
وهذا هو الذي يعود في النهاية
وهذه هي التي تشرح وتبرر وتعتذر
ثم حين يتعب أحدهم من عدم التفهم و التقدير ونراه يصمت أو يبتعد ، نتهمه بالتغير ….
وكأن من حقنا أن يبقى الإنسان إلى الأبد في الصورة التي رسمناها له دون تغيير
حتى لو كان هذا التغيير هو رد فعل طبيعي لأفعالنا نحن ..
لا نعرف كم مرة قال في داخله : ” كفى أنا لا استحق ذلك ” ..
ولا نعرف كم مرة أراد أن يتكلم ثم تراجع ..
ولا نعرف كم مرة كان يستطيع أن يرد، ثم اختار أن يحفظ ما بقي من العلاقة ..
لذلك لا تستخف بصمت أحدهم ..
قد يكون أمامك إنسان يعرف عنك ما يكفي ليهدم صورتك، لكنه اختار ألا يفعل.
وقد يكون أمامك شخص يحمل عتابًا يكفي لسنوات، لكنه اختصره في :
” ولا يهمك”
وقد يكون هناك من يبتسم لك بينما في داخله حكاية طويلة لم يعد لديه استعداد لفتحها ..
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس:
لماذا يصمت ؟؟
بل :
” ماذا حدث له حتى أصبح الصمت أهون عليه من الكلام ؟ ”
ربما لهذا نحتاج أن نعيد النظر في المثل القديم ..
فالسكوت ليس دائمًا علامة رضا ..
أحيانًا هو علامة أن الإنسان رأى ما يكفي ..
وأحيانًا علامة أنه قال ما يكفي ..
وأحيانًا علامة أنه سامح، لكنه لم يعد قادرًا على العودة كما كان ..
وأحيانًا يكون علامة أنه اختار نفسه أخيرًا ..
وأحيانًا…
يكون السكوت هو الباب الذي يغلقه الإنسان بهدوء، بعد أن ظل طويلًا واقفًا خلفه، ينتظر أن يفتح له أحد.
ولذلك، في المرة القادمة التي ترى فيها شخصاً إلتزم الصمت في موقفٍ ما ، لا تتعجل في اتهامه بالضعف ..
ربما كان يستطيع أن يقول الكثير ، وربما كان يستطيع أن يؤلمك أكثر مما تتخيل ، لكنه اختار أن يترك صورتك الجميلة في عينيه، حتى بعد أن شوهتها أفعالك.
فليس كل من سكت خسر، وليس كل من رد انتصر ….
بعض الناس لا يحتاجون إلى أن تكون لهم الكلمة الأخيرة ، يكفيهم أنهم لم يخسروا أنفسهم وهم يحاولون الانتصار عليك.
وربما كانت أقسى لحظة في الحكاية كلها، هي تلك التي لا نكتشفها إلا بعد فوات الأوان:
أن الإنسان الذي ظنناه ضعيفًا لأنه ظل ملتزم الصمت و اكتفى به ..
كان يملك من الكلام ما يكفي ليهدمنا، لكنه أحبنا أو احترمنا أو حافظ على مشاعرنا من الحقيقة… فاختار أن يصمت ..
ويبقى السؤال الذي ربما لا نحب أن نسأله لأنفسنا:
كم شخصًا في حياتنا لم يكن صمته رضا، ولا ضعف ، وإنما كانت آخر محاولة منه للحفاظ علينا، قبل أن يقرر أن يرحل؟