رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب:طبيب.. أم لا طبيب؟ ١٠ أسئلة واضحة وإجاباتها المباشرة

حوار صريح وعاصف!

أجرت هذا الحوار معي شابة صحفية واعية ومتابعة جيدة لموضوع أزمة كليات الطب المصرية، قالت لي في البداية: عندي ١٠ أسئلة، وأريد أن تجيبني عنها بمنتهى الصراحة، فقلت لها: سأرد عليكِ بمنتهى الصراحة والوضوح، وبما يمليه عليّ ضميري، ومن وحي خبرتي الطويلة في مجال الطب في الداخل والخارج لما يزيد على ٤٥ سنة.
قالت:
١- هل يصلح مجموع الثانوية العامة مقياسًا للالتحاق بكلية الطب؟
فقلت:
في العصر الحالي لا وألف لا؛ فلقد انتشر الغش، والدليل رسوب غالبية طلاب الطب في السنوات الأولى في كليات الصعيد الطبية، كما أن امتحان الثانوية العامة بشكله الحالي لا يقيس -بأي صورة من الصور- القدرات المؤهلة للالتحاق بكليات الطب. كذلك فإن التفاوت الشديد بين مجاميع الالتحاق بالكليات بين الحكومي والخاص والدولي يقتل العدالة الاجتماعية في مقتل، فكيف نحرم الطالب المصري المتفوق وغير القادر من حقه في تعلم الطب، في حين نمنحه لمن يدفع أكثر أو بالعملة الصعبة بمجموع ضعيف؟
قالت:
٢- إذن، ما البديل لديكم مقياسًا للالتحاق بكلية الطب؟
فقلت:
في الحد الأدنى، يجب اجتياز امتحان قدرات طبية على شاكلة امتحان MCAT الأمريكي، وامتحان UCAT أو GAMSAT الإنجليزي، ويكون تأثير مجموع الثانوية العامة في التأهيل للالتحاق بكلية الطب لا يتعدى ٣٠٪؜، فهذا الامتحان يقيس -بدقة أكبر- قدرات الطالب في علوم مهمة لازمة وحيوية لكلية الطب، كالبيولوجي، والكيمياء، والفيزياء، والإحصاء، واللغة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والفسيولوجي، كما أن بعضهم تم حذفه من مقررات الدراسة الثانوية.
قالت:
٣- هل توافق على زيادة أعداد الطلاب الملتحقين بكليات الطب في مصر في ظل النقص الشديد للأطباء الذي نعانيه بسبب هجرة الأطباء؟
فقلت:
المهم هو “الجودة” وليس الكم، فكليات الطب في الولايات المتحدة وإنجلترا وغيرهما لا تقبل بأكثر من ١٠٠-١٥٠ طالبًا فقط حتى تتأكد من توافر المناخ التعليمي المناسب، والتدريب الجيد، وهذه كانت حال جامعاتنا في الماضي. تخريج الأطباء من مدرجات مزدحمة وبلا مستشفيات للتدريب يخرج أسوأ نوعية من الأطباء ولا تصلح لممارسة المهنة. ورغم الإمكانات الضخمة في الغرب فإنهم حددوا أعداد الطلاب للحفاظ على الجودة، فبريطانيا على سبيل المثال لا تقبل سوى ٩٦٠٠ طالب فقط سنويًّا، والولايات المتحدة في حدود ١٦-٢٤ ألف طالب سنويًّا، بالرغم من وجود ١٧٠٠ مستشفى بها برامج تدريب للخريجين، فكيف لمصر أن تقبل ٢٩ ألفًا في وجود ٢٠٠ مستشفى تعليمي فقط؟! المنطق الصحيح يقول: اقبل عدد طلاب على قدر أماكن التدريب المتاحة لهم.
قالت:
٤- هل تؤيد تعليم الطب في الجامعات الخاصة؟
فقلت:
إذا كان التحاق الطالب بالجامعات الخاصة بنفس شروط الجامعات الحكومية، وبفارق لا يتعدى ٣-٥٪؜ فقط، وكانت الجامعات الخاصة مكتفية ذاتيًّا -أو بنسبة كبيرة- بأعضاء هيئة التدريس، وتقبل أعدادًا معقولة لا تزيد على ٣٠٠ طالب في العام الواحد، ولها مستشفياتها التعليمية الخاصة بها، فلا مانع عندي، ومرحبًا بها، أما إن كان غير ذلك فأنا أول المعترضين؛ فدراسة الطب ليست تجارة من أجل الربح فقط.
قالت:
٥- هل توافق على فتح الجامعات الحكومية للوافدين بمجاميع أقل لتحسين دخلها من العملة الصعبة؟
فقلت:
دراسة الطب لا تقاس بهذا المنطق، فالكليات الحكومية بنيت من قوت هذا الشعب وضرائبه، ويجب حصرها على الطلبة “المصريين” المتفوقين فقط. لقد وصلت نسب الوافدين إلى أرقام مخيفة تجاوزت في بعض الكليات أعداد الطلبة المصريين، وكأننا فتحنا جامعاتنا لهم لا لأبنائنا. وأصبح دخل هذه الجامعات الوطنية للأسف معتمدًا عليهم. والطالب الوافد يزاحم أبناءنا في أماكن التدريب، وبالطبع لن يفيد مجتمعنا بعد التخرج. عدد الطلبة الوافدين يجب ألا يزيد -بأي حال- على ٥-١٠٪؜ من عدد الطلبة المصريين لتحقيق فائدة الاختلاط، على أن يدفع نفس مصاريف الكلية كما كان سيدفعها في أوروبا، أو أمريكا، أو يذهب إلى الجامعات الخاصة.
قالت:
٦- ماذا عن الجامعات الخاصة التي بلا مستشفيات تعليمية، وترسل خريجيها للتدريب في المستشفيات الجامعية والحكومية؟
فقلت:
هذا تحايل للهروب من التكلفة الضخمة للمستشفيات بالمقارنة بالربح المنتظر منها، فعدم وجود مستشفى للتدريب كارثة، ومخالف للقانون الذي أُنشئت هذه الكليات على أساسه، ولقد تجاوزت هذه الكليات المهلة المحددة لها لاستكمال مستشفياتها، وهي ٣ سنوات، ويجب التوقف فورًا عن قبول أي دفعات جديدة بها حتى تستكمل مستشفياتها. أما “التطفل” على المستشفيات الجامعية والحكومية فهو مرفوض تمامًا؛ لأنها مكتظة أصلًا بطلبتها وخريجيها، وتكاد تجد (بالعافية) أماكن لتدريب طلابها لكثرة الأعداد المقبولة بها.
قالت:
٧- هل توافق على ندب أعضاء التدريس أو إعارتهم من الجامعات الحكومية إلى الجامعات الخاصة والأهلية؟
فقلت:
المنطقي هو أن تكون للجامعات الخاصة كوادرها التعليمية بالكامل، وهو ما لم يحدث للأسف حتى الآن، وندب أعضاء هيئات التدريس للعمل هناك لتحسين دخولهم يجب أن يكون مقننًا، بما لا يزيد على يومين فقط في الأسبوع حتى لا يؤثر ذلك سلبًا في الجامعات الأم، وتكون أولوية الندب إلى الجامعات الأهلية المنبثقة عن الجامعات الحكومية.
قالت:
٨- كيف نقيّم الطبيب المتخرج لضمان جودته؟
فقلت:
أولًا، يجب التدريب الجيد في فترة الامتياز بدون تكدس، وببرنامج تدريبي واضح ومحدد، ثم النجاح في امتحان “شديد الصعوبة” لمزاولة المهنة يماثل امتحان USMLE Step 3 الأمريكي، أو مثيله الإنجليزي MLA المكون من جزئين؛ لأن تجاوز هذا الامتحان يعني أنك “استأمنت” يد هذا الطبيب الجديد تمامًا على أرواح المصريين، وهو قرار حاسم ومهم، ويجب أن يقيس هذا الامتحان -بدقة- قدرة هذا الطبيب الناشئ على التشخيص السليم والعلاج الأمثل، ولا مانع أن يدخل المتخرج هذا الامتحان كل ٦ أشهر، مع ضرورة استمرار التدريب بينها حتى ينجح حتى ولو استغرق ذلك عدة سنوات.
قالت:
٩- هل توافق على الجامعات الدولية التي تقبل خريجي الثانوية بمجموع ٥٠٪؜ على الأقل كما في دولها؟
فقلت:
أوافق طبعًا، ولكن بشرط أن يعمل هذا الطبيب في دول المنشأ هذه التي قبلت ذلك بعد تخرجه، ولا يعمل بتاتًا في مصر، ولا أعتقد أنها ستقبله فشروطهم صعبة لمزاولة المهنة! من الناحية الذهنية والدراسية فإن الحاصل على ٥٠٪؜ في الثانوية العامة يقابل مستوى الطالب في السنة الأولى الإعدادية أو أقل، وربما لن يستطيع كتابة جملة واحدة بلا أخطاء، فكيف يكون هذا الطالب نواة لطبيب ناجح؟! لذا فإن امتحان القدرات المقترح، وامتحان مزاولة المهنة الجادين سيكونان مصفاة لهذه النوعية الفاشلة دراسيًا من الطلاب.
قالت:
١٠- أخيرًا، بماذا تنصح الدولة لتصحيح هذه الأوضاع التي تراها مختلة لنحافظ على جودة الطبيب المصري وسمعته؟
فقلت:
أولًا، وقبل كل شيء، نبتعد تمامًا عن التداخل بين الأمور المادية البحتة ودراسة الطب، فالطب الصحيح مسألة أمن قومي مثله مثل الشرطة والجيش ودخول الطب لا يكون لأى شخص بل فقط للقادر مستقبلًا على علاجنا كشعب، فكثير من كليات القمة في الولايات المتحدة فتحت أبوابها للمتفوقين الحقيقيين بلا مصاريف إطلاقًا؛ لأنها تسعى إلى جودة الخريجين، وهذا ما يجب أن تكون عليه الجامعات الحكومية على الأقل، “فتقبل أعدادًا أقل”، ولا تزاحم بهم الطلبة الوافدين، وتستثمر بكثافة في تعليمهم وتدريبهم ليكونوا واجهة مشرفة للطبيب المصري كما كانت دائمًا. كما يجب أن يكون الالتحاق بكليات الطب معتمدًا في الأساس على امتحان قدرات دقيق كما في الغرب، مع إتاحة أماكن تدريب تتناسب مع أعداد الطلاب، لا أن نقبل أعدادًا ضخمة بلا أماكن تدريب. فالمهم في النهاية هو “جودة الطبيب”، وليس الغيث من الأطباء دون المستوى؛ حتى لا نعصف بسمعة الطبيب المصري، ونجد الطبيب الجيد الذي يعالجنا ويعالج أبناءنا وأحفادنا.
قالت: لقد وضعت روشتة واضحة!
انتهى الحوار.. فما رأيك؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى