فورين أفيرز:على أميركا أن تفك ارتباطها بالشرق الأوسط
حرب إيران الفاشلة يجب أن تدفع نحو انسحاب تأخر طويلًا
مايكل فوكس – فورين أفيرز
الحرب مع إيران كارثة كبرى. فقد أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة غير ضرورية انتهكت القانون الدولي، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1700 مدني إيراني، بينهم 307 أطفال، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية المدنية، وعمّقت الاضطرابات الإقليمية. كما أدى الرد الإيراني إلى مقتل 18 جنديًا أميركيًا وإصابة أكثر من 600 آخرين في قواعد بدول مجاورة، فيما لا يزال الناس حول العالم يعانون تداعيات القفزة في أسعار الطاقة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز.
هذه الحرب هي أحدث نتيجة لسلسلة من خيارات السياسة الأميركية خلال الأعوام الـ35 الماضية، جعلت الولايات المتحدة أقل أمنًا وفاقمت الصراعات في أنحاء الشرق الأوسط. وترجع هذه الإخفاقات إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، الذي غذّى الاعتقاد الخاطئ لدى واشنطن بأنها مضطرة باستمرار إلى شن الحروب والتدخل في الصراعات القائمة من أجل تعزيز أمنها. كما أن استضافة القواعد والقوات الأميركية على أراضي دول المنطقة جعلت هذه الدول أكثر عرضة للخطر، وعرّضتها لهجمات مباشرة من إيران والجماعات المدعومة منها.
وعلى مدى عقود، تصرفت الولايات المتحدة كما لو أن وجودها العسكري في الشرق الأوسط أمر أساسي لمصالحها الاستراتيجية ولأمن المنطقة. وسعت إلى حماية شركاء مثل إسرائيل ودول الخليج، واحتواء إيران وخصوم آخرين، ومكافحة الإرهاب. لكن عمليًا، أسهم الانتشار العسكري الأميركي في عدم الاستقرار والدمار. ولا يتجلى ذلك في مكان بوضوح أكبر مما يتجلى في الحملة على إيران؛ إذ أفرزت الحرب الأخطار نفسها التي كان يُفترض أنها تهدف إلى منعها.
وقد تأخر كثيرًا الوقت الذي ينبغي فيه للولايات المتحدة سحب قواتها من الشرق الأوسط، والتوقف عن تسليح الحكومات التي تنتهك القوانين الأميركية والدولية، وإنهاء دورها بوصفها ضامنًا للنظام الإقليمي. ومن شأن ذلك أن يتيح لواشنطن التركيز على أهداف ذات أولوية أعلى، من بينها ردع اندلاع حرب بين القوى الكبرى في آسيا وأوروبا.
الدم والمال
رغم انخراط الولايات المتحدة منذ زمن طويل في الشرق الأوسط، فإن حرب الخليج بين عامي 1990 و1991 رسخت الدور العسكري الأميركي في المنطقة. وما بدأ بوصفه ذروة القوة الأميركية بعد الحرب الباردة، عبر تنظيم تحالف دولي لإنهاء غزو الرئيس العراقي صدام حسين للكويت، تحول إلى التزام استمر عقودًا.
وأبقت الإدارات الأميركية المتعاقبة عشرات الآلاف من العسكريين في المنطقة، انطلاقًا من اعتقاد بأن وجود قوة دائمة سيحمي التدفق الحر للطاقة، ويدعم إسرائيل، ويحارب الجماعات الإرهابية، ويردع إيران. ويوجد حاليًا نحو 2000 جندي في العراق، و2300 في السعودية، و3500 في الإمارات العربية المتحدة، و4000 في الأردن، و8000 في البحرين، و10 آلاف في قطر، و13 ألفًا في الكويت. وقد تغيرت الأعداد الدقيقة ومواقع الانتشار صعودًا وهبوطًا على مر السنين، لكن هذا الوجود ظل ضخمًا وممتدًا ومتجذرًا بعمق.
لكن الوجود العسكري يمكن أن يتحول هو نفسه إلى عبء، إذ يعرض الدول المضيفة لعمليات انتقامية ويجر الولايات المتحدة إلى صراعات محلية. ومع انتشار القواعد الأميركية في أرجاء المنطقة، تصبح التهديدات للمصالح الأميركية مستمرة، ويتحول كل تهديد جديد إلى حجة إضافية لتوسيع الانتشار العسكري.
فعلى سبيل المثال، لم يؤد احتلال الولايات المتحدة للعراق بعد غزو عام 2003 إلى تورط القوات الأميركية في صراع طويل ودامٍ فحسب، بل جعلها أيضًا عرضة لهجمات الميليشيات المدعومة من إيران، ما دفع واشنطن إلى تنفيذ عمليات انتقامية في العراق وسوريا وأماكن أخرى.
وفي الوقت نفسه، امتدت حرب أفغانستان إلى باكستان، حيث نفذت الولايات المتحدة مئات الضربات بالطائرات المسيّرة ضد مسلحين كانوا يهاجمون القوات الأميركية عبر الحدود. وبعد أن سحبت الولايات المتحدة معظم قواتها من العراق عام 2011، اضطرت إلى إرسال قوات مجددًا في 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، أو «داعش»، الذي ظهر من رحم الفوضى التي أعقبت الغزو.
وكانت الكلفة باهظة. فقد أنفقت الولايات المتحدة 8 تريليونات دولار على القتال في أفغانستان والعراق وساحات أخرى ضمن «الحرب على الإرهاب» التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر. ووفقًا لأبحاث جامعة براون، خدم نحو ثلاثة ملايين أميركي في تلك الصراعات، التي قُتل فيها أكثر من 15 ألفًا من أفراد القوات والمتعاقدين، وأصيب 1.8 مليون عسكري بإعاقات.
وعانى سكان المنطقة، ولا يزالون، من تداعيات تلك الحروب. فقد توفي أكثر من 940 ألف شخص نتيجة أعمال العنف المباشر، بينهم 432 ألف مدني؛ كما توفي 3.6 ملايين شخص جراء الآثار غير المباشرة لانهيار الدولة في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن؛ ونزح 38 مليون شخص.
لكن الأرقام وحدها لا تستطيع نقل حجم الخسارة الإنسانية، كما يتجلى في أطفال فقدوا آباءهم، وعائلات فقدت منازلها، وجيل سُلبت منه فرصة عيش حياة طبيعية بسبب الصراع المستمر. كما أن غياب المساءلة عن السياسات والإجراءات التي دفعت إلى هذه النتائج أمر لافت.
كما أسهمت الولايات المتحدة بصورة مباشرة في العنف والقمع اللذين مارستهما دول أخرى، إذ عزز انتشار القوات الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط اندفاع واشنطن إلى العمل عن قرب مع حكومات قمعية كانت لديها في كثير من الأحيان أجنداتها الإقليمية الخاصة.
فقد دعمت حكومات استبدادية مثل الحكومة المصرية، وساندت الحملة السعودية في اليمن، ومكّنت دور الإمارات العربية المتحدة في الحرب الأهلية السودانية، حيث وثق محققون تابعون للأمم المتحدة أفعالًا ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. وقد غذّت مثل هذه الشراكات الغضب الشعبي تجاه حكومات هذه الدول وتجاه الولايات المتحدة.
وتجسد علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل كيف يمكن للعلاقات الأمنية العميقة، إلى جانب القواعد الدائمة، أن تفضي إلى نتائج كارثية. فمنذ الانهيار التدريجي لمفاوضات أوسلو بين القادة الإسرائيليين والفلسطينيين في تسعينيات القرن الماضي، تحول الدعم الأميركي إلى ما يشبه شيكًا على بياض لحكومة إسرائيلية تلو الأخرى.
وقد قوّضت تلك الحكومات فرص السلام مع الفلسطينيين عبر الضم التدريجي والقمع المنهجي في الضفة الغربية. وخلال السنوات القليلة الماضية، أتاح هذا الدعم لإسرائيل تنفيذ ما خلصت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أنه إبادة جماعية في غزة، وهي خلاصة تبناها أيضًا عدد من الباحثين الإسرائيليين ومنظمات المجتمع المدني.
طريق الخروج
يتحمل الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون على السواء المسؤولية عن الأضرار التي تسبب فيها الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. وقد جعل هذا الوجود الولايات المتحدة طرفًا في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني. وعلى واشنطن تصحيح المسار، بدءًا بسحب قواتها فور التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر مع إيران.
ويواجه القادة الأميركيون الآن سلسلة من القرارات ذات العواقب طويلة الأمد، من بينها ما إذا كانوا سيعيدون بناء القواعد التي تضررت خلال حرب إيران، وما إذا كانوا سيبيعون أسلحة جديدة لشركاء إقليميين.
وقد دعا بعض محللي الدفاع إلى الإبقاء على وجود عسكري أصغر، وهو خيار يدرسه البنتاغون وفق تقارير صحيفة «وول ستريت جورنال»، لكن الانسحاب الجزئي سيظل يترك الولايات المتحدة عرضة لمخاطر دائمة في المنطقة.
وخلال الأشهر الخمسة الماضية، دمرت إيران أو ألحقت أضرارًا بمبانٍ ومعدات في ما لا يقل عن 15 موقعًا عسكريًا أميركيًا. وحتى إذا جمعت الولايات المتحدة قواتها في قاعدة أو قاعدتين فقط، فإنها ستظل هدفًا رئيسيًا لإيران ووكلائها، بما يتطلب موارد كبيرة لحمايتها.
ومن دون انسحاب كامل، ستشعر واشنطن بأنها مضطرة إلى مواصلة تعزيز الحماية لأفرادها وشركائها، وستستمر الولايات المتحدة في الانجرار إلى صراعات المنطقة.
وسحب جميع القوات الأميركية من الشرق الأوسط لا يستلزم إنهاء كل أشكال التعاون مع شركاء المنطقة. إذ يمكن أن يستمر الدعم الأمني في بعض البلدان، مثل لبنان، حيث يمكن للدعم الأميركي للقوات المسلحة اللبنانية أن يعزز قدرات الدولة ويدعم دور المؤسسات الرسمية في حماية السيادة اللبنانية.
لكن من مصلحة واشنطن ضمان امتثال مساعداتها ومبيعات الأسلحة التي تقدمها للقانون الأميركي، الذي يفرض وقف هذه المساعدات عندما يرتكب المستفيدون منها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما فعلت إسرائيل في غزة.
ومن خلال تعليق أي مساعدات أمنية وصادرات أسلحة تنتهك القانونين الأميركي والدولي، تستطيع واشنطن تقليص خطر أن يشجع دعمها سياسات متهورة لدى دول أخرى، وأن يجر الولايات المتحدة بصورة أعمق إلى أزمات المنطقة.
وبينما تقلص واشنطن وجودها العسكري في المنطقة، يمكنها بل وينبغي لها تكثيف جهودها الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية لدعم حقوق الإنسان والحلول السلمية للنزاعات.
وفي إطار هذا النهج، ينبغي لها زيادة المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، بالتوازي مع دعم مشروعات للتكامل الاقتصادي يمكن أن تعزز الاستقرار والازدهار، مثل إنشاء خطوط أنابيب جديدة تتيح نقل صادرات الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز.
كما ينبغي أن تستغل تقليص وجودها العسكري لتوضيح أن واشنطن ستحد من مساعداتها لدول مثل الإمارات وإسرائيل إلى أن تحسن سجلاتها في حقوق الإنسان وتنهي سياساتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار.
ولا تستطيع الولايات المتحدة إجبار هذه الحكومات على الإصلاح، لكنها تستطيع أن ترفض تقديم المعدات والتمويل اللذين يمكّنانها من ممارسة القمع أو العدوان.
ورغم أنه من غير المرجح أن تتبنى الإدارة الحالية هذا النهج، فإن قرارات الكونغرس تستطيع أن تؤثر في السياسة الأميركية المستقبلية في المنطقة. ويمكن للمشرعين دفع الولايات المتحدة نحو تقليص انتشارها عبر الحد من حجم التمويل الذي يحصل عليه البنتاغون لتعويض الذخائر وإعادة تأهيل القواعد، وربط هذه الأموال بشروط.
المخاوف والحقائق
قد يجادل البعض بأن سحب الجيش الأميركي من الشرق الأوسط ينطوي على مخاطر جدية. وهذه المخاطر حقيقية، لكنها قابلة للإدارة.
لنبدأ بأسواق الطاقة والخوف من تعطل صادرات النفط والغاز إذا تراجعت الولايات المتحدة عن المنطقة. فقد افترضت واشنطن لسنوات أن وجودها العسكري في المنطقة يحافظ على حرية الملاحة. لكن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران هي التي أغلقت مضيق هرمز، ولم يتمكن الجيش الأميركي من إعادة فتحه بالقوة، ما يثير الشكوك بشأن جدوى تمركز الأسطول الخامس في البحرين.
وبغض النظر عن كيفية حل المواجهة في المضيق، فإن إيران ودول الخليج تتشارك مصلحة في استمرار تدفق الطاقة، حتى مع خلاف الدول بشأن ما إذا كان يمكن فرض رسوم على المرور.
وعلاوة على ذلك، ومع تحول الولايات المتحدة إلى منتج رئيسي للطاقة، ونمو قطاع الطاقة المتجددة حول العالم، واستكشاف المنتجين طرقًا لتجاوز المضيق، فإن زيادة تنوع الإمدادات العالمية تجعل أي اضطرابات مستقبلية في الملاحة أقل خطورة.
كما تجادل إدارة ترامب وأنصارها في الكونغرس بأن القوة العسكرية الأميركية ضرورية لاحتواء إيران التي زعزعت استقرار جيرانها. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الولايات المتحدة لم تتمكن من حماية شركائها في الخليج من الهجمات الإيرانية.
وتحتاج دول الخليج إلى إنشاء ترتيبات أمنية جديدة فيما بينها لا تعتمد على واشنطن، مع إمكانية استمرار الأخيرة في تقديم دعم اقتصادي ودبلوماسي.
ولا يوجد ضمان بأن تكون الترتيبات الجديدة أفضل، لكن النظام الحالي المدعوم من الولايات المتحدة لا يعمل. وعلى الأقل، لن تكون الولايات المتحدة في نظام إقليمي جديد تقوده قوى المنطقة نفسها مصدرًا لتغذية عدم الاستقرار.
وقد يوفر مثل هذا الإطار مسارًا أكثر استدامة نحو الاستقرار إذا أعطى الأولوية للدبلوماسية الإقليمية والحوار وخفض التصعيد مع إيران. وبمرور الوقت، يمكن لدول الشرق الأوسط أن تصبح أقل اعتمادًا على الضمانات العسكرية الخارجية.
كما أن الوجود العسكري الأميركي المطول لا يجعل مكافحة الإرهاب أسهل. فمنذ 11 سبتمبر، دفع التهديد الإرهابي صانعي السياسات إلى الاعتماد على الجيش الأميركي.
لكن استخدام الولايات المتحدة ضربات الطائرات المسيّرة التي قتلت أعدادًا هائلة من المدنيين، إلى جانب عمليات الغزو المتعددة، ربما أسهم في زيادة الهجمات التي شنتها جماعات إرهابية على أفراد أميركيين.
ولا يعني سحب القوات الأميركية الآن التخلي عن القدرة على مكافحة الإرهاب. إذ يمكن لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع حكومات المنطقة وحلفاء الناتو، إلى جانب التكنولوجيا المتقدمة التي تتيح المراقبة من مسافات متزايدة، أن يمكّن واشنطن من رصد التهديدات.
وكحل أخير، يستطيع القادة الأميركيون إعادة إرسال قوات لتنفيذ مهمة محددة إذا اندلعت أزمة تهدد الولايات المتحدة.
ثم هناك مسألة أمن إسرائيل. فإسرائيل دولة نووية تمتلك الجيش الأكثر تطورًا في المنطقة، وهي قادرة تمامًا على الدفاع عن نفسها.
بل إن الوجود الأميركي شجع إسرائيل في الواقع على تبني سياسات زادت من حدة التهديدات التي تواجهها. ويمكن لواشنطن كسر هذه الحلقة من خلال ربط المساعدات العسكرية بإنهاء إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية، وسعيها إلى السلام مع الفلسطينيين، ووقف حملاتها العسكرية في إيران ولبنان وسوريا.
ومن شأن هذه الخطوات تقليل الأخطار التي تخلقها إسرائيل لنفسها، وخفض المخاطر الإجمالية التي قد تصاحب فقدان الضمانة الأميركية.
وأخيرًا، يخشى المشككون في تقليص الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط من أن يُفسر الانسحاب، خصوصًا بعد إخفاقات الولايات المتحدة الأخيرة في إيران، باعتباره مؤشرًا على الضعف أمام خصوم واشنطن.
وتواجه الولايات المتحدة بالفعل تحديًا كبيرًا في ردع الصين وروسيا في وقت تدفع فيه كل منهما بمطالبها قرب محيطها الجغرافي.
لكن إذا ظلت الولايات المتحدة غارقة في الشرق الأوسط، فستواجه صعوبة أكبر في العمل مع حلفائها في آسيا وأوروبا لمواجهة تحركات بكين أو موسكو في مناطق أخرى.
كما أن احتمال أن تحل أي منهما محل الولايات المتحدة في المنطقة محدود. فالصين لا تزال شديدة الحذر في استخدام قواتها العسكرية خارج محيطها المباشر، فيما تقلص الوجود الروسي في الشرق الأوسط منذ سقوط الرئيس السوري بشار الأسد.
مراجعة عامة للحسابات
بعد عقود من الحرب شبه المتواصلة في الشرق الأوسط، أصيب الأميركيون بالإرهاق من التورط في صراعات خارجية.
وأظهر استطلاع حديث لمعهد «سيرشلايت» أن 62 في المئة يفضلون «الابتعاد عن الحروب قدر الإمكان»، بينما يؤيد 33 في المئة استخدام «القوة العسكرية عندما يكون ذلك في مصلحة البلاد».
وهناك جيل كامل لم يعرف يومًا زمنًا بلا حرب، كما أن غالبية الأميركيين الشباب، بمن فيهم أكثر من نصف الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عامًا، يعارضون حرب 2026 مع إيران.
وكانت هذه أول حرب في عصر استطلاعات الرأي الحديثة يعارضها الجمهور منذ بدايتها، في وقت يكون فيه التأييد للحروب عادة عند أعلى مستوياته.
لكن، وفي خضم هذه المراجعة الشعبية لدور الولايات المتحدة في العالم، يبدو القادة الأميركيون بعيدين عن مواقف ناخبيهم.
فقد فاز الرئيس الأميركي دونالد ترامب في انتخابين من خلال مهاجمة مرشحين حمّلهم مسؤولية الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط، ثم بدأ حربًا بنفسه.
وعندما عبّر أفراد ومؤسسات عن معارضتهم للسياسة تجاه إسرائيل، استخدم الرئيس سلطة الدولة لمهاجمتهم، عبر حجب التمويل عن الجامعات وترحيل المتظاهرين وسجنهم.
وفي وقت يمثل فيه تأمين تكاليف الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية الشاغل الأكبر للأميركيين، وصلت ميزانية البنتاغون إلى مستوى قياسي بلغ نحو تريليون دولار في عام 2026، وتسعى الإدارة إلى زيادة إضافية بنسبة 50 في المئة في عام 2027.
ولا تزال للولايات المتحدة مهمة مهمة في الأمن العالمي؛ إذ يسهم وجودها العسكري وضماناتها الأمنية في أوروبا وآسيا في منع اندلاع حرب بين القوى الكبرى.
لكن الطريقة التي تمارس بها واشنطن دورها الأمني في الشرق الأوسط تتسبب في أضرار تفوق بكثير ما تحققه من فوائد.
وتغيير المسار لن يكون سهلًا، لكنه ضروري. فقد كلفت عقود من الحروب والتورطات سيئة التصور عددًا هائلًا من الأرواح وأموالًا طائلة، من دون أن تضيف الكثير إلى أمن الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه صرفت انتباه واشنطن عن تحديات ملحة في آسيا وأوروبا.
لقد حان الوقت لأن يغادر الجيش الأميركي الشرق الأوسط. عرض أقل