
رغم الاخفاقات التي تواجه ترامب ونتنياهو في الحرب ضد إيران، يبدو أن خطة تدمير المنطقة كلها تجري بمكر شديد، لإشعال الحرب بين الشيعة والسنة؛ ليفلت الأمريكيون والإسرائيليون من المحرقة، فاليوم قصف الطيران الإسرائيلي بمساعدة أمريكية منشآت الغاز في منطقة عسلوية جنوب إيران، لتنحرف الحرب إلى ما كانوا يخططون له منذ البداية.
كان من المنطقي أن يكون الرد الإيراني على منشآت الغاز الإسرائيلية أو القواعد والمنشآت الأمريكية، لكن المفاجأة أن الحرس الثوري أعلن أنه سيرد بقصف منشآت النفط والمنشآت الاقتصادية في دول الخليج، بزعم أنها تستضيف القواعد التي ينطلق منها العدوان، وبالفعل تم قصف مصافي النفط في شرق السعودية ومناطق مدنية في جدة، ومدينة رأس لفان الصناعية في قطر، الأمر الذي قد يأخذ الحرب في اتجاه آخر ليس في صالح الإيرانيين والعالم الإسلامي.
هذا الاتجاه الإيراني الجديد لضرب الأهداف المدنية في دول الجوار يتعارض مع ما أعلنه المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في أول كلمة له، حيث أكد على “استهداف القواعد الأمريكية فقط، من دون التعرض لدول الجوار نفسها”، وقال: ” ومن الآن فصاعداً سنضطر إلى مواصلة هذا النهج”.
وجدد خامنئي التأكيد على “أن نظام الجمهورية الإسلامية، من دون أن يسعى إلى فرض الهيمنة أو الاستعمار في المنطقة، مستعد تماماً لإقامة علاقات قائمة على الاتحاد والتعاون الودي والصادق مع جميع جيرانه”.
نفس الموقف أكده الدكتور علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في كلمته المكتوبة قبل اغتياله موجهة “إلى المسلمين في أنحاء العالم وإلى حكومات الدول الإسلامية” حيث قال: ” إيران ناصحة لكم ولا تسعى إلى الهيمنة عليكم.. إن وحدة الأمة الإسلامية، إذا تحققت بكل قوة، قادرة على أن تضمن الأمن والتقدم والاستقلال لجميع دولها”.
مما سبق يتبين أن الموقف السياسي المعلن للقيادة الإيرانية يتسم بالحكمة، ويبتعد عن الاستدراج إلى شن الحرب على المسلمين، ويميز بين من يشنون العدوان وبين الدول الخليجية التي لا تستطيع طرد الأمريكيين وتفكيك القواعد العسكرية لأسباب لا تحتاج إلى شرح، ومن هنا فإن قصف المنشآت المدنية والاقتصادية في السعودية وقطر والكويت والبحرين وعمان يصب في صالح الخطة الإسرائيلية، التي تهدف إلى تدمير كل الدول الإسلامية والعربية المحيطة بها، ليسهل السيطرة عليها وتحقيق المزاعم التوراتية.
الشعوب العربية وقفت ضد العدوان على إيران، وستقف ضده معها حتى كسر الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، وللإيرانيين الحق في الدفاع عن النفس وقصف القواعد التي تنطلق منها الهجمات، لكن هذا الموقف المؤيد سيتغير لو انحرفت الحرب، فلا أحد يقبل أن يدمر الإسرائيليون المنشآت الاقتصادية الإيرانية، ولهم حق الرد على المعتدي في أي مكان، لكن لا أحد يؤيد تدمير مصافي النفط ومقدرات الدول المسلمة، خاصة أنه مصدر الدخل الرئيسي لشعوب هذه الدول والملايين من شعوب الدول العربية والإسلامية وغير الإسلامية التي تعمل فيها، وإلا ما الفرق بينهم وبين الإسرائيليين؟
أيضا يجب أن يتجنب الإيرانيون الفخ المنصوب لهم للقيام بعمليات برية في الضفة الغربية للخليج العربي، خاصة في الكويت والبحرين حيث توجد إشارات قد توحي بأن هناك من يفكر في ذلك، مثل ضرب جسر البحرين، وما يصدر من ميليشيات عراقية طائفية والتي بدأت باختراع أزمة على الحقوق في آبار البترول وهي ذات القضية التي تورط فيها الرئيس العراقي صدام حسين وأدت إلى الواقع الذي نشاهده اليوم في المنطقة.
للتذكير فإن دول الخليج لم تشارك في العدوان ضد إيران، ورفض القادة الخليجيون بصراحة ووضوح –فيما عدا الإمارات- ضغوط وتهديدات ترامب للمشاركة في الحرب، وهذا يحسب لهم في حدود الممكن والمتاح بسبب الهيمنة والإكراه، والذي سيتغير للأفضل مع الوقت بكل تأكيد، مع انكسار الهجمة الإسرائيلية وتفكيك القواعد الأمريكية والانسحاب من المنطقة، لصالح إيران والمنطقة والعالم الإسلامي.
المطلوب من الإيرانيون تصحيح هذه الأخطاء الاستراتيجية على نحو عاجل، قبل أن يستغلها الإسرائيليون ويقومون هم بتوسيع القصف لدول الخليج لتأجيج الفتنة بين الشيعة والسنة، وعندها قد تضيع الحقيقة إذا اشتعلت نيران الفتنة المذهبية.
نربأ بالإيرانيين أن يدفعهم الغضب لتنفيذ ما يسرع من الخطة الصهيونية التي تهدف إلى تدمير إيران والمنطقة لتمهيد الأرض لمشروع إسرائيل الكبرى الذي يقف خلفه ترامب وتياره الذي يؤيد الإبادة.