
وتر من عفرين
أنا من عفرين.
من ذلك الضوء الذي يخرجُ من شقّ الزيتونة
حين يضع المساءُ أذنه على جذعها
ليسمع ما بقي من الأغنيات.
ولدتُ هناك حيثُ الجبلُ لا يعلو فقط
و لكن يتذكّر.
كنتُ طفلاً أضع أذني على التراب
فأسمع خطى الذين مرّوا قبلي
رعاةٌ حملوا الغيمَ على أكتافهم ،
أمهاتٌ علّمن الهواء
كيف تنادي أبناءها بأسمائهم.
الآن … كلّما لمستُ التمبور
ينهضُ من الخشب وطنٌ كامل.
وترٌ واحد يكفي ليوقظَ قافلةً من الوجوه
وجوهٌ لم تعد هنا ، لكنّها ما زالت تمشي
في دمي كما تمشي المياه القديمة
في جذور الشجر.
أعزفُ… فتفتحُ السماءُ نافذةً صغيرة
ليمرّ منها صوتُ جدّي و هو يقول للجبل:
لا تخف، فالريحُ ابنتنا أيضاً.
أعزفُ… فتعود الطرقاتُ التي انكسرت
و تتذكّر الحجارةُ أنّها كانت ذات يوم
قلوباً تعرفُ كيف تنبض.
أنا لا أغنّي كي يسمعني أحد.
أنا أغنّي لأنّ الصمتَ حين يطول
يبدأ الترابُ بالحديث.
و أنا ابنُ هذا التراب،
ابنُ الزيتونة التي لا تنسى،
ابنُ الوتر الذي تعلّم من الجبل
أنّ الصوت قد يكون بيتاً
حين لا يبقى بيت.
إن سألني الليلُ: من أنت؟
أقول: أنا ذاك الذي يعبر العالم بتمبورٍ صغير، لكنّه يحمل في خشبه
صوتَ الأرض حين تنادي أبناءها
ليعودوا.
فإذا سمعتم اللحن و رأيتم الجبال تميل قليلاً كأنها تنصت…
فاعرفوا
أنّ عفرين لم تكن أغنيةً فقط،
بل قلباً
ما زال
يعزف.