
”
يبدو ان قليلاً من القمع ينعش القلب. في القمع لا تحتاج أن تفكر ولا أن تبادر ولا تكتشف ولا تتمرد ولا تتحمل مسؤولية ولا تختار ولا تبحث عن مخرج ولا تفكر بمصير،
ولا تبحث عن شرعية الاختلاف ولا عن عدو او صديق بل يكفي أن تحط رأسك بين الرؤوس وتصيح يا قطاع الرؤوس.
العيش مع القمع يحررك من الخوف بعد أن تم تسليبك كل شيء وتركوا لك فتحات للتنفس والأكل واللباس الداخلي ، فعلى أي شيء تخاف؟.
في القمع يمكنك مواجهة المرآة بشجاعة دون أن تخاف من وجهك الحقيقي المختفي خلف قناع. في القمع عشت أسوأ الاحتمالات وخسرت أثمن ما في الحياة حريتك ومصيرك وخياراتك، فماذا يخسر الأجرب لو أكل البصل؟
من فوائد القمع انه ينشط الغريزة لأنه يضع الانسان في تهديد دائم وتحفز وخوف ويقضي على الوعي ومشقة الاسئلة المرهقة ويتبلد الاحساس بحيث لا يشعر الانسان بشيء ولا يخاف من فقدان شيء بعد أن فقد كل شيء وتتلاشى المخاوف من الفقدان. من هذه الناحية القمع يحرر من مخاوف الفقدان.
حتى الكوابيس تتلاشى في القمع لان الكابوس يحدث عندما ينشغل الانسان بمصيره لكنه عندما يتحول الى أداة يخسر الألم والغضب الناتج عن الشعور بالظلم. عندما يقع الانسان في حفرة الظلم لسنوات لا يفكر بالخروج بل يتاقلم معها ويبدأ بتجميل الحفرة كما فعلنا من خلال نصائح وحكم وقوالب.
وما حاجتك الى الوعي وصداع التفكير؟ ثم ما حاجتك الى الشجاعة اذا كنت تمشي مع القطيع؟ الوعي يخبرنا كل لحظة بأوجاع الظلم وغياب العدالة والبحث عن ضوء نهاية النفق لكن في القمع يمكن استعمال هذه الطاقة المستنزفة في الاسترخاء مثل أي قط ينام تحت الشمس.
الحرية تحرر من الأوهام وهذا التحرر يجلب المصايب ومنها وعي العذاب والألم لكن في القطيع يكون الألم غير محسوس لأنه جماعي ويظهر على شكل مبادئ وقيم وأعراف.
في أسطورة سيزيف لم يكن سيزيف يملك خياراً لتحمل العذاب، بل كان عقاباً أبدياً فرضته الآلهة عليه بحمل الصخرة من قمة الجبل الى الاسفل وبالعكس.
يرى ألبير كامو في” أسطورة سيزيف ” إن لحظة انتصار سيزيف تكمن في المسافة التي يقطعها عائداً من قمة الجبل إلى السفح لاستعادة الصخرة. في هذه اللحظة، يكون سيزيف واعياً تماماً بعبثية مصيره. بمجرد أن يدرك سيزيف أن هذا العذاب هو قدره،فإنه” يحول المأساة من عقاب خارجي إلى ملكية خاصة”.
يتخلى عن البحث عن خلاص لانه يعرف لا جدوى من ذلك. الفخر ان سيزيف حكمت عليه آلهة بالعقاب لكننا ضحايا رعاع وأنذال وسيكوبات. عذاب سيزيف من ثقل صخرة لكن عذابنا من عدو ضئيل وحقير لا يمتلك هيبة الخصومة ولا فرحة الانتصار عليه.
لو تحرر الشخص من الأوهام، سيجد نفسه أمام حريته المفقودة، أمام عاره المخزي، وعليه أن يحارب لأجل استعادة كرامته، لكن في القمع الشجاعة ليست في الحرية ولا في الثورة بل في التطابق والانسجام والتماثل .
الحرية ثقل كبير وضخم لا يمكن تحمله واذا لا تصدق إقرأ كتاب” الخوف من الحرية” لأكثر علماء النفس في التاريخ نزاهة وعلماً هو العالم أريك فروم. ستكتشف ان الحرية ليست نزهة بل اكثر من عبء ثقيل جداً . الحرية درب الزلق.
الحرية ستضعك أمام مسؤولية أنت هارب منها وأمام خيارات مصيرية منهكة وأمام ذات طبيعية محطمة حلت مكانها ذات مزيفة وقناع وفي القمع لا تحتاج كل هذه المشقة لأن هناك من يقرر ويختار بالإنابة عنك وكل ما عليك أن تفعله هو التعايش مع المعلف وتنام بلا حلم ولا قلق مثل أي فأر في قفص.
مع القمع تنتهي المخاوف والاسئلة والاحتمالات لأن المبلل ما يخاف من المطر والمفلس في القافلة أمين لكن الحرية فضاء واسع من الاحتمالات والاسئلة والخيارات واستقلالية فكرية لكن في القمع تهيمن ذهنية التلقين والقيل والقال ولا تحتاج الى بحث وسؤال ودراسة ولا الى الدخول في صراع مع أي صرصار ثقافي . الذوبان في القطيع يضعك في منطقة الراحة والجماعة بدل عزلة الحرية.
في القمع لا قلق من الخطأ أصلاً ولا تأنيب الضمير ولا مشاعر ذنب أو ندم لأنك في المكان الخطأ الذي لا يحتاج الى ضمير بل الى لغة تبرير ولا تحتاج الى الوعي الذي يقتضي مشقة البناء بل تجد سلسلة من الاقفاص وعليك الاختيار لأن أصعب ما في الحرية هو في طريقة الوصول اليها وفي القفص أنت في مكان مريح وهادئ واذا كنت تحلم بالحرية، فهذا يعني ان شيئاً ما فيك لم يتحطم لأن تعلم الحرية أصعب من تعلم القمع.
الحرية تحتاج الى وعي في حين القمع لا يحتاج الى وعي بل غريزة البقاء ويمكنه التكيف بسرعة والعيش بأمان زائف ولا يحتاج الى مشقة التعليم بل الامتثال والصمت والتغليس والأقنعة.
في الحرية أنت انسان ومواطن في دولة ولك حقوق وعليك واجبات لكن في القمع أنت رعية وهذا التحول من مواطن الى رعية يحرر من القلق الوجودي ومن الحاجة الى التمرد والى الوعي ومواجهة صداع الحرية.
مع الزمن لن تشعر بالحاجة الى الحرية التي تتحول الى ذكرى منسية كمن عاش في غرفة مظلمة يجرحه ضوء النهار. الحرية نسق علاقات معقدة لكن في القطيع يكفي التشابه وفيه تتعلم أن هناك رأياً واحداً وعكس ذلك خيانة أو كفراً .
الاختلاف مع الآخر يتطلب قبوله وما حاجتك لهذه المشقة في فهمه واحترامه؟ أفضل ما تفعله في القمع والتشابه هو أن تكرهه وتلغيه، تضع له كوداً سيئاً للحفظ وتضرب عليه بعد سنوات لأنه ملف وليس انساناً وطاقة تحولات. ما حاجتك الى متاعب النضج العقلي والرصانة؟ الخفة العقلية مريحة بحيث تحولك الى محكمة متنقلة ضد كل من لا يشبهك.
مع القطيع لن تحتاج الى مراجعة ونقد ذاتي وتعلم مهارات جديدة لأن القاء اللوم على الآخرين سياسة مريحة للهروب من المسؤولية. ثم انك اذا لم ترضع الحرية في المهد مع الحليب، فلن تتعلمها من الكتب والاناشيد والشعارات.
في القمع لا تحتاج الى تفسير القانون والعدالة والنظام والحق والباطل لأن الولادة في قفص تعفي من الأسئلة ومن ولد في قفص يعتبر الطيران جريمة. ألم تسمع بهذا المثل؟.
لا تجارب فاشلة مع القمع لأن الفشل يحتاج الى شجاعة المغامرة ووعي المسؤولية وقدرة على الاختيار وأنت لا تملك واحدة من هذه بل يصبح حلم الحرية المتأخرة كابوساً كحفلة عيد ميلاد لمحتضر. الحرية تتطلب انساناً مكتمل الصحة وانت تحولت الى حطام يمشي. قط هزيل ينظر في المرآة ويتصور نفسه أسداً.
عندما تتحطم الذات الحقيقية، لا يملك الشخص صورة ذاتية عن نفسه ــــــــ كحيوان يتشاجر مع صورته في المرآة ـــــــــــ ويدخل مرحلة الإبتذال ويتصورها بحجوم ضخمة للتوازن والخداع الذاتي ولا يفرق بين الحياة الحقيقية وبين المزيفة.
اذا لم تصدق ذلك، إقرأ ما كتبه مارتن هايدغر أكبر الفلاسفة الألمان في القرن العشرين واليوم ، عندما كتب:
” إن الانسان عندما يصل مرحلة من الابتذال، لا يعود يميز بين الحياة الحقيقية ، الوجود الأصيل، والوجود الزائف”.
لأن الإبتذال كمنظار مغبر ومشوه وبنية نفسية محطمة لا يمكن من خلالها رؤية حديقة مشرقة او وجود نظيف او علاقة نقية. لا يمكن الرؤية من منظار العطب ومن ذات مشوهة أبداً.