
في اكتوبر 1962 ،شرع الاتحاد السوفييتي ببناء قواعد صواريخ نووية في كوبا ، فكان الرد الامريكي ان فرض الرئيس الامريكي جون كينيدي “حصارا بحريا” على كوبا ، فكوبا تصرفت كدولة ذات سيادة ،ومنحت موقعا للاتحاد السوفييتي لنصب صواريخه، وهنا استشعرت الولايات المتحدة الخطر ،ففرضت حصارها البحري على كوبا ، هنا نستحضر هذه الواقعة لنسال السؤال التالي: لماذا لا يجوز لايران فرض حصار على مضيق هرمز بعد العدوان عليها بينما يجوز للولايات المتحدة فرض الحصار على كوبا لمجرد انها فتحت قاعدة للاتحاد السوفييتي على اراضيها ؟ هذه المقدمة تنقلنا لما اصطلح على تسميته في الدراسات القانونية باتفاقيات “وضع القواعد العسكرية” (Status of forces Agreement) في الدول الاجنبية .
ما هو الوضع القانوني للقواعد العسكرية الاجنبية في ضوء مبدأ السيادة الوطنية ؟ هناك جانبان يتعلقا بوضع القواعد العسكرية الاجنبية على اقليم اية دولة:
أ- اتفاقيات وضع القوات هي الاتفاقيات التي تحدد الاطار القانوني الذي ينظم الوضع القانوني للقوات العسكرية الاجنبية داخل اقليم الدولة المضيفة لها، وتغطي هذه الاتفاقيات موضوعات الوضع القانوني للقاعدة والاختصاص القضائي (محاكمة العسكريين المنتمين للقاعدة هل هو للدولة المضيفة او لدولة القاعدة ) ، وتشير ” اغلب ” الاتفاقيات في هذا الشأن الى تقاسم وظيفي، إذ تتولى الدولة المضيفة المحاكمة في الحالات المدنية بينما تتولى الدولة صاحبة القاعدة القضاء العسكري، كما تتضمن الاتفاقيات قواعد الحركة للافراد الاجانب في القاعدة( استعمال جواز سفر او بطاقة عسكرية عند الرغبة في الخروج لخارج الدولة المضيفة او خلال التنقل داخل الدولة المضيفة) او موضوع الاعفاءات الجمركية على الافراد او على المعدات، او حمل السلاح، او الاتصالات بين القاعدة وغيرها في الداخل او الخارج او تعويض الاضرار او الموضوعات البيئية او الصحية .
ب- لا بد من تحديد مدة الاتفاقية وشروط الانسحاب من الاتفاقية او شروط الغائها،الى جانب قواعد تسوية النزاع بين طرفي الاتفاقية(الدولة المرسلة والدولة المضيفة)، فمثلا تنص اتفاقية التعاون الدفاعي بين الاردن والولايات المتحدة على ان مدتها 15 سنة وتستمر سارية ما لم يتم انهاؤها من قبل احد الطرفين باشعار خطي قبل عام واحد من المدة المحددة.(الفقرة 4 المادة 19).
وطبقا لاغلب الاتفاقيات في العلاقات الدولية في هذا المجال ،فان الخلاصة تشير الى ان موازين القوى بين الدولة المضيفة والدولة المرسلة او صاحبة القاعدة هي التي تحدد مساحة امتيازات الدولة المرسلة ، ولا شك ان الامتيازات للقواعد العسكرية الامريكية في العالم العربي تعكس خللا فاضحا في موازين القوى بين ” الضيف وصاحب البيت “.
ت- مراجعة اغلب الاتفاقيات للقواعد العسكرية لا تتضمن نصوصا بخصوص حق استخدام القاعدة ضد طرف ثالث، نظرا لحساسية الموضوع بخاصة ان مبدأ السيادة يعلو على اي مبدا آخر في القانون الدولي. وهي هنا تختلف عن اتفاقيات الدفاع المشترك او التعاون الدفاعي . وتشير اغلب المراجع في هذا الشأن ان الدولة المرسلة بخاصة القوى الكبرى تتصرف في ضوء:
1- الاتفاقات السرية
2- الاكتفاء بالاخطار الشكلي بخاصة إذا كانت الدولة المضيفة تعتمد امنيا على الدولة المرسلة كما هو حال الدول العربية.
3- وضع اتفاق غامض وقابل للتأويل في حالات معينة تهم الدولة المرسلة.
ذلك يعني انه لا يوجد نص صريح في اية اتفاقية لوضع القوات يشير لحق الدولة المرسلة استخدام قواعدها العسكرية ضد طرف ثالث دون موافقة الدولة المضيفة ، ويكفي ان نشير الى بعض النماذج العربية وغير العربية :
1- العراق: نصت اتفاقية وضع القوات الامريكية في العراق على “احترام سيادة العراق وعدم استخدام اراضي العراق لشن هجمات على دول اخرى.(رغم ان الولايات المتحدة لم تلتزم بذلك وهو ما اتضح في تدخلاتها في سوريا بقواتها الموجودة في العراق)، لكن هذا الشرط الوارد في الاتفاقيات مع العراق( بغض النظر عن مستوى الاحترام الامريكي له) لا نجده في نصوص الاتفاقات مع بقية الدول العربية.
2- القواعد الامريكية في اليابان: هنا تقع اتفاقيات وضع القوات ضمن معاهدة الامن اليابانية الامريكية، ولا تتطلب موافقة اليابان لعمل القوات الامريكية ويقتصر الامر على التنسيق السياسي.
3- في دول الخليج، يسود مبدأ الموافقة العامة المسبقة(Blanket Consent ) ،مما يجعل الامر لا يتطلب التوافق على كل حالة بحالة.
يترتب على ما سبق، ان القواعد الامريكية في الدول العربية تتصرف استنادا الى مستوى التباين بين السيادة الصلبة(التزام امريكيا بالحصول على موافقة الزامية من الدولة المضيفة ، وهي شبه معدومة في الواقع العربي، رغم ان العراق اقرب الى هذا النموذج في حدود معينة ) ، وبين السيادة التفاوضية في الدول التي تعتمد في امنها على الولايات المتحدة كدول الخليج خلافا لحالة ادارة السيادة كما هو الحال في اليابان، ويبدو ان الدول العربية في معظمها تقع ضمن دائرة ما يسمى تفويض السيادة (اي تفويض مسبق بحق استخدام القواعد وعدم الالتزام بالموافقة لكل حالة بحالة وبخاصة ان هناك قدر من الالتباس والغموض في اتفاقيات هذه الدول العربية ، ويبدو ان الاردن طبقا لاتفاق التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة عام 2021يقع بين نموذج السيادة التفاوضية والسيادة المدارة فهي نموذج يمكن اعتباره هجين، فالاتفاقيات الامريكية الاردنية لا تتضمن نصا واضحا بمنح او منع ” حرية مطلقة ” للدولة المرسلة لاستخدام القواعد لكن الواقع العملي يتراوح بين النموذجين المشار لهما، فالنص يمنع قيام القوات الامريكية من القيام بعمليات “داخل الاردن”، فالمادة الخامسة /الفقرة 4 تنص على ” يحتفظ الاردن بالمسئولية الاساسية عن الامن خارج المرافق والمناطق المتفق عليها، وهو ما يتضح في البند 4 من المادة 6 . اما الاستخدام الخارجي فغير منصوص عليه قانونا، ، لكنه ينص على ” ان هذا التعاون يرتكز على الاحترام الكامل لسيادة كل طرف”، وهو ما ورد في الفقرة الاخيرة من ديباجة الاتفاق، بينما تتعلق بقية البنود بموضوعات التشغيل اليومي .
لكن الاشارة في بعض الاتفاقات العربية الامريكية الى ان التعاون العسكري او انشاء قواعد عسكرية يستهدف الى جانب العلاقات الثنائية ” ضمان الامن الدولي او المساهمة في الامن والاستقرار الاقليمي” يمثل نصا قابلا للتوسع في تأويله من الجانب الاقوى .
ومن الممكن تركيب مؤشر لقياس وضع القواعد ومستويات السيادة التشغيلية (SOFA Sovereignty index ) ،ويمكن الاستفادة في هذا المجال في القياس من نموذج (Host Nation Control) او (Host country politics and internationalization ) وغيرهما من المراجع الاكاديمية الاخرى ، حيث يجري في هذه النماذج التركيز على 6 مؤشرات:
1- التحكم في استخدام القاعدة العسكرية للقوة
2- الاختصاص القضائي بين الدولة والقاعدة
3- الشفافية في الاتفاقيات بين الدولة المرسلة والدولة المضيفة
4- السيطرة التشغيلية داخل القاعدة وعلى حركة افراد القاعدة
5- قدرة الدولة المضيفة على انهاء الاتفاق او الغائه
6- قوة الرقابة المحلية (البرلمان ،الاحزاب، الرأي العام المحلي) على عمل القاعدة.
ويتم الحساب لمؤشر السيادة على اساس معادلة محددة هي:
أ- مستوى السيادة في كل مؤشر من المؤشرات الستة من صفر(الادنى) الى خمسة(الاعلى)
ب- مجموع القيمة المطلقة لكل المؤشرات(5×6=30)
ت- مجموع قيم المؤشرات التقديرية × 100 / القيمة المطلقة = مستوى السيادة.
ولو اردنا تطبيق المؤشر فان معدل وضع القواعد الامريكية من جانب مؤشر السيادة في الدول العربية التي فيها القواعد الامريكية يصل الى ما بين 45-50% فقط في هذا الجانب تحديدا.
هل من جدوى لهذا القياس ..ربما.