رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :من الخليج إلى المحيط: كيف تُعيد الصواريخ الإيرانية رسم هندسة الردع؟

حين تعلن #إيران أن صواريخها الاستراتيجية باتت قادرة — بل واستهدفت — قواعد بعيدة مثل دييغو غارسيا في المحيط الهندي، فنحن لا نتحدث عن “مدى أطول” فقط، بل عن إعادة تعريف العمق الاستراتيجي نفسه.
فالحروب لم تعد تُقاس بالجغرافيا وحدها، بل بشبكات المسافات التي يمكن اختراقها تكنولوجيًا. في الماضي، كان الردع يُبنى على القرب: من يسيطر على الأرض الأقرب يملك الأفضلية. أما اليوم فقد انتقلنا إلى منطق مختلف، حيث يمكن لطرف إقليمي أن يهدد نقاطًا كانت تُعتبر خارج مسرح العمليات، ما يعني أن “المسافة” لم تعد عامل أمان، بل متغيرًا تقنيًا يمكن تجاوزه.
ضمن هذا التحول، تتآكل تدريجيًا فكرة “العمق الآمن”. فقاعدة دييغو غارسيا مثلت لعقود نموذجًا للعمق المحصّن: بعيدة عن مسارح الاشتباك، تُستخدم كنقطة انطلاق للضربات، وخارج نطاق الرد التقليدي.
لكن إذا دخلت مثل هذه القواعد ضمن حسابات الاستهداف، فنحن أمام تحول بنيوي في البيئة الاستراتيجية التي قامت عليها العقيدة العسكرية الأمريكية. هنا لا يكون التغير في السلاح فقط، بل في معنى “المسافة” ذاتها.
الأهم أن وظيفة الصواريخ تغيّرت. لم تعد مجرد أداة ردع دفاعي، بل أصبحت أداة ردع إكراهي تفرض قيودًا على سلوك الخصم، ليس بمنعه فقط، بل بجعل كل خياراته مكلفة. المعادلة لم تعد: “لن تهاجمني”، بل: “أي هجوم سيُوسّع نطاق الحرب جغرافيًا بشكل لا يمكنك التحكم فيه”.
وهذا التحول ينقل الصراع من مواجهة مباشرة إلى إدارة معقدة للمخاطر.
بالتوازي، ننتقل من تركيز المخاطر في نقاط محددة — مثل الخليج أو مضيق هرمز — إلى توزيع أفقي واسع يشمل المحيط الهندي، القواعد الخلفية، خطوط الإمداد، وحتى البنية اللوجستية بعيدة المدى.
لم يعد هناك “مسرح حرب” بالمعنى التقليدي، بل “مجال حرب ممتد” تتداخل فيه الجغرافيا مع التكنولوجيا، بما يعيد تعريف طبيعة الصراع نفسه.
هذا التحول يضع العقيدة العسكرية الأمريكية أمام معضلة حقيقية. فقد بُنيت على فكرة الضرب من مسافة آمنة، وتقليل المخاطر على القواعد الحيوية، وإدارة الحروب دون تهديد مباشر للعمق. لكن مع تغير المعادلة، يصبح الابتعاد نفسه عامل مخاطرة، ويتحول الانتشار الواسع — الذي كان مصدر قوة — إلى شبكة نقاط قابلة للاستهداف. كلما توسعت الجغرافيا، زادت قابلية الانكشاف.
هل يعني ذلك تفوقًا إيرانيًا حاسمًا؟ ليس بالضرورة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا، وقدرات اعتراض متقدمة، ومنظومة تحالفات عالمية. لكن ما تغيّر هو طبيعة التوازن ذاته. لم يعد قائمًا على سؤال “من الأقوى؟” بل على: من يستطيع تعطيل قدرة الآخر على استخدام قوته بكفاءة، ومن ينجح في فرض معادلة تكلفة تجعل أي قرار بالتصعيد محفوفًا بثمن يصعب احتماله.
أن ما نشهده ليس مجرد تطور في القدرات الصاروخية، بل تحول عميق في هندسة الردع العالمية: من جغرافيا ثابتة إلى مجال مرن، من عمق آمن إلى عمق قابل للاختراق، ومن ردع دفاعي إلى ردع إكراهي ممتد. وفي هذا العالم الجديد، لا يُحسم الصراع لمن يملك السلاح الأقوى، بل لمن يستطيع إعادة تعريف ساحة المعركة قبل أن تبدأ. لأن أخطر ما في هذه المعادلة لم يعد الصاروخ ذاته… بل المسافة التي لم تعد تحمي أحدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى