كتاب وشعراء

حمزه الحسن يكتب :الحرب على خيال العالم

سواء نفذ الرئيس الامريكي تهديده باغراق ايران في الظلام وضرب محطات الطاقة وشل الحياة أم لم ينفذ لكنه سيغرق العالم بظلام أشد حتى لو كانت الأضواء ساطعة لأن هذه الحرب تتجاوز الصراع المسلح الى عملية ضبط للمجتمع الدولي كما لو ان الولايات المتحدة تحولت الى مؤسسة عقاب للعالم.
عندما يُطرح مشروع تدمير إيران بشكل تام، يطرح بالمقابل ان هذا من أجل السلام كما ورد في كلامه” سلام من خلال القوة” نسخة طبق الأصل من خطاب الخداع الذي تحدث عنه جورج أورويل في رواية 1984″ الحرب هي السلام” كوسيلة للتحايل اللغوي لضمان استقرار السلطة.
حسب هذا المنطق، التهديد الوجودي الايراني، يتطلب اعادة ضبط المجتمعات الاوروبية والامريكية بتحمل العواقب وزيادة الرقابة وتقليص الخدمات وتنشيط البوليس والأمن والمخابرات من أجل” الحماية”
هكذا يعرف النظام الأمريكي نفسه من خلال تعريف العدو، سابقا الدول الاشتراكية واليوم إيران، وهنا المفارقة لأن الرأسمالية تحتاج الى عدو لترسم حدود سيطرتها والدولة الثيوقيراطية ضرورية لتبرير الدولة الديمقراطية وفي غياب الأولى لا نستطيع تعريف الثانية كما لا يمكن تعريف النهار بلا ليل والصحة من المرض والحياة من الموت.
لا يجب زوال العدو بل يجب وضعه كخطوط حمراء فاصلة لتعريف الديمقراطية الغربية والامريكية ، بين ما هو طبيعي وبين ما هو منحرف، وبدل محو العدو الضروري لعمليات ضبط المجتمع الغربي الأمريكي كتبرير الانفاق والغلاء ومشاكل الطاقة والأمن وغيرها، أي أن هذه التدابير في الجوهر تمارين في المراقبة والتحكم. الحرب تمرين لاختبار السلطة ومؤسسات الرقابة واستعراض القوة أمام الأعداء المؤجلين الكبار لأن الهزيمة هنا هزيمة لمعارك المستقبل.
أما من يملك الحق في الكلام، فهو من يملك أدوات القوة ووسائل الاعلام بصرف النظر عن العدالة، وسيقوم المحللون العسكريون، الجنرالات المتقاعدون المنسيون، بتشكل المعرفة ومنع أي تفكير خارج الصورة التي يرسمونها، أي ان هؤلاء في الظاهر ” محايدون” لكنهم بشكل أعمق جزء من نظام معرفة مزيف يخلق صوراً وحيدة عن نهايات الحرب يغلق كل أبواب التفكير.
في هذا المناخ المشحون يبدو ان الخيار التدميري هو الخيار الأخير كما لو اننا أمام لحظة نهاية العالم الذي يجب ألا يزعج أو يؤلم أحداً لأن ” إيران الشيء” كيان شيطاني يثير الخوف وبما انه لم يدجن في الاسابيع الماضية، فيجب أن يزول.
في أفلام هيتشوك الماكغافن ـــــــــ واقعة ضرورية لسير الأحداث ــــــــــــــ غير مهم بذاته لكنه مهم للحركة التي يخلقها. غير مهم إن كانت إيران ستمتلك قنبلة ذرية أم لا ـــــــــــــ كقصة أسلحة الدمار الشامل في العراق ـــــــــــ الأهم هو الخوف من القنبلة الذي سيبرر كل أنواع الضبط السياسي والاقتصادي والأمني للولايات المتحدة والغرب كشراء سلاح، قوانين طوارئ، غلاء سلع، ضبط الهجرة من دول محددة الخ.
وكما في العاب الفيدو ستظهر لنا الولايات المتحدة انطلاق الصواريخ والطائرات من فوق البوارج الحربية كألعاب فيدو ممتعة بدون قتلى ولا خراب ولا حرائق في” حرب نظيفة” واذا حدث موت وخراب وحرائق فهو لا يحدث أمامنا بل في” مكان بعيد” غير مرئي حيث يسكن الخطر أو الشيء الشرير.
سواء وقع التدمير الكلي الفعلي أم لم يقع، لكنه في الحقيقة وقع في خيالنا خلال الانذار الاخير وما سيحدث هو صورة لخرابنا الداخلي الذي تعرض للتخريب قبل الحدث لأن الحرب مع إيران ليست حدثاً عسكرياً بل وظيفة بوليسية واقتصادية ونفسية لأن التهديد يستوجب زيادة الانفاق العسكري والمصانع وأطباء النفس والعلاج والشراء القهري وتخزين السلع وما يدفعه الحلفاء الصغار من أموال مقابل شراء الحماية.
بهذا المعنى يصبح وجود ايران ضرورياً للاستثمار، حتى القتل غير المرئي سيظهر كتصحيح جراحي وليس مذبحة ونعود مرة أخرى الى موضوع ” الحرب التي لم تقع” كحرب عام 1990 او الخليج الثانية التي تحدث عنها جان بودريار ، ليس لأنها لم تقع بل لأنها وقعت عبر الشاشات ــــــــــــــــ فظاعة مبرمجة وتطهير تقني ــــــــــ كحرب نظيفة ستجعلنا نعجب بالعقاب كتكنولوجيا جميلة ومثيرة وساحرة وسيظهر الرئيس يتحدث الى وسائل الاعلام في حديقة مشرقة وفي جو احتفالي فكاهي معقم بلا غبار ولا جثث محترقة وبلا حرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى