أَمُرُّ بالنَّخْلَةِ العَجُوزِ،
أَشْتَهِي
بَلَحَهَا الأَحْمَرَ المُتَدَلِّي،
أَتَذَكَّرُ بَقايا الضرسان،
هِما كُلُّ ثَرْوَتِي الآنَ.
أَتَجاوَزُها بهدوء ،
لا يَقْدِرُ عَلَى شَبَقِها إِلَّا فَتًى.
تُطارِدُنِي أَسْئِلَةٌ رَمادِيَّةٌ،
أُمَلِّحُها،
أُعَتِّقُها فِي أَصْلابِ المَعْنَى،
عَلَّهَا تَذُوبُ،
أَوْ تَجِدُ سَبِيلًا لِلْفِرارِ
مِنْ عَتْمَةِ الكْرارِ.
تُزْعِجُنِي جِدًّا
أَوْقاتُ التِّيهِ الرَّمادِيَّةِ
بَيْنَ الفُصُولِ الأَرْبَعَةِ،
مُتَقَلِّبَةً، قَلِقَةً، حائِرَةً،
مِزاجِيَّةً مِثْلِي.
زادَتْ حَيْرَتِي
عِنْدَما صارُوا سَبْعَةً:
شِتاءٌ وَشَفَتانِ،
رَبِيعٌ وَعَيْنانِ،
صَيْفٌ وَوَجْنَتانِ،
وَخَرِيفٌ لِآخِرِ العَامِ.
عَلَى مِشْجَبِ الأَحْلامِ
عَلَّقْتُ بَالِتَّةَ أَلْوانِي،
اخْتَرْتُ لَوْنًي ،
لَوْنَ الخَرِيفِ.
صَبَغْتُ بِهِ الأَرْصِفَةِ،
وَالأَرْغِفَةِ،
وَعَدَسَاتِ نَظارَتِي.
لَوَّنْتُ بِهِ غِلافَ دِيوَانِي الأَوَّلِ.
أَهْدَيْتُها نُسْخَتَي الأُولَى
وَالوَحِيدَةَ.
تَمَنَّيْتُ لَوْ قَرَأَتْهُ
قَبْلَ أَنْ تُفْرك أَوْراقُهُ الهَشَّةُ
عَلَى الطُّرُقاتِ،
أَوْ تَطِيرَ بِلا مَأْوًى
فِي دَوَّامَةِ رِيحٍ.
عَلَى جِذْعِ شَجَرَةِ الجُمَّيْزِ
نَقشت بِمِخْيَطٍ قَدِيمٍ
أُمْنِيَّةً وَحِيدَةً:
لَيْتَ كُلَّ الفُصُولِ خَرِيفٌ.
قَرَأْتُ لَها بَوْحًا:
“الخَرِيفُ عِشْقٌ خالِدٌ،
يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ وَرَقَةٍ تُغادِرُ،
يُولَدُ رَجاءٌ جَدِيدٌ،
وَما الحَياةُ سِوَى دَفْقَةٍ مِنْ أَمَلٍ،
وَرَجاءٍ يَتَهادَى عَلَى بِساطِ النَّجْوَى”.
وَقالَتْ:
“مِنَ الخَرِيفِ
خَرَجَ فَلاسِفَةُ إِسْبَرْطَةَ،
هُو أصْلُ الحِكْمَةِ”.
صِرْتُ أَتَدَبَّرُ،
أَتَدَرَّبُ،
أَلَّا أَشْتَهِيَ البَلَحَ الأَحْمَرَ،
أَنْتَظِرَهُ حَتَّى يُسّاقطَ فِي حِجْرِي
رُطَبًا طريا.
اسْتَخْرَجْتُ الأَسْئِلَةِ
المُحَنَّطَةَ بِأَقْبِيَةِ الظَّلامِ،
نَشَرْتُها فِي الشَّمْسِ،
عَمَّدْتُها بِالنُّورِ،
صارَتْ أَوْضَحَ.
الوُضُوحُ نِصْفُ شِفاءٍ.
وَأَوْقاتِي الرَّمادِيَّةُ
أَضْحَتْ تَدْرِيباتٍ مَوْسِمِيَّةً
عَلَى شَفَراتِ الأحاجي،
تَمْرِينَاتٍ حَيَّةً
عَلَى تَجاذبِ أطراف العِشْقِ بِحُرِّيَّةٍ.
اهْدَئِي،
أَنْتِ الآنَ غاضِبَةٌ
فَهِمْتُ مُتَأَخِّرًا
أَنَّ الفُصُولَ لَيْسَتْ أَرْبَعَةً،
الخريف سيدهم.
اصْفَحِي وَتَعالَيْ،
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
تَنْثُرِينَ فِيهِ
تِلْكَ الحُرُوفَ
عَلَى لُقَيْماتِ الشَّلِيكِ،
بيَوْمٍ خَرِيفِيٍّ،
عِنْدَ شاهِدِ قَبْرِي عرض أقل