
ــــ إن الناس الأكثر وعياً وادراكاً لايمكن ان يكونوا أشراراً لأن الشر يتطلب غباءً ومحدوديةً في التفكير* جان بول سارتر.
لماذا تصبح الكراهية هوية مشتركة بين جماعات أكثر من المحبة والانفتاح وعلاقات الاحترام؟ أكثر من سبب: الكراهية تحدد بسرعة واختصار من هو الآخر المختلف في حين المحبة تتطلب البحث والفهم والاستيعاب. تتحول الكراهية الى رابطة مشتركة بين الجماعة لان عنوان المختلف او العدو المفترض تم تحديده لذلك تصبح مواجهته مهمة لأن الخوف البشري ولد من شعور القبيلة أو الجماعة بالخطر.
الكراهية ترتبط بالغريزة لذلك تكون في حالة تأهب دائم كجماعة في حين المحبة فردية وخيار عقلاني وعاطفة نظيفة كما ان الكراهية تمنح الشعور الزائف بالتفوق الاخلاقي بطريقة سريعة وفورية لان الكراهية سطحية بلا عمق وتتسم بالضحالة لانها لا تتطلب جهداً سوى مشاعر صفراء شاحبة نحو عدو مفترض للهروب من عالمهم الداخلي الصاخب بعقد النقص والشعور بانخفاض الاحترام الذاتي.
تتحول الكراهية في هذه الحالة الى منفذ تهريب للعاهات النفسية بلا تكلفة وتخلق هوية طفيلية بلا جذور ولا عمق ولا أصالة كما يحدث في حانات الحثالات من رابطة فورية بين زبائن حول قضية فورية أو كما يحدث بين جماعة حزبية.
كارثة الكراهية أن المصاب يعتقد أنها سلاح بينما هي سم يتناوله هو متوهما انه سيقتل به الآخر لكنه يعيش هوساً مزمنا في ملاحقة من يكره وهذا استنزاف للطاقة والتشوه العقلي وتآكل الذات بل حتى تشوه كيمياء المخ ويصبح عاجزاً عن رؤية الحقائق والجمال لانه في حالة دفاعية مستمرة كحيوان في غابة ولا يعرف انه الضحية.
من السهل جداً أن نسمع شخصاً يقول لآخر متباهياً إنه يكرهه بل يضيف له قائمة جديدة في ” ان الجميع يكرهك” ولا أحد يعرف كيف تم استفتاء الجميع لكنه يختزل المجتمع بحفنة حثالات من محيطه القريب ويختصر بهم كل المجتمع.
أي تتحول الكراهية الى هوية وروابط جماعية دون الشعور بالعار الذي يختفي خلف هذه العبارة. تصبح الكراهية انتماء وميزة وموقفاً.
غالبا ما تخفي الكراهية شعورا داخلية بعار داخلي يجب أن يرحل الى الخارج وبلغة علم النفس اسقاط على آخر، لان الكراهية سطحية لانها ترتبط بالشر، أي تحول كراهية الذات الى ” موقف” و” هوية” بل” فكرة” أو شرعية أخلاقية زائفة لأن العبارة نفسها تحمل بشاعة نفسية وضحالة أخلاقية.
في علم النفس الجماعي تصبح الكراهية كالصمغ يربط الجماعة وقد تكون حلقة او حفنة حثالات يتم اختزال المجتمع بهم بالقول: “الكل يكرهك” لكن أين تم هذا الاستفتاء لمجتمع مختلف الاعراق والطوائف والملل والنحل والثقافات والمعايير؟
المرفوض مثلا في ساحات لندن مقبول في ساحة بيكاديلي من تعاطي المخدرات والخطابات والاحتفالات ، كما ان فرق الغناء مسموح بها في البصرة لكن تحظر في كربلاء والنجف، وحتى في بغداد هناك مقاهي تسمح للزبائن الجلوس بالشورت واخرى ترفض، وفي العاصمة نفسها هناك مسابح داخل الفنادق تسمح للنساء السباحة. المعايير مختلفة داخل البلد الواحد وحتى داخل الأسرة الواحدة ووضع” الكل” في خانة واحدة سلوك أحمق.
الكراهية ليست مرضا نفسيا كي يعالج بل هي بنية شخصية مصابة ومعطوبة لا علاج لها لانها تصيب البناء الكلي للشخصية، لكنها رسالة خفية للانتماء الى جماعات. الاختزالية صفة شائعة بين هؤلاء التي تختزل المجتمع بتنوعه وملايينه ومعاييره بحفنة اراذل من محيط قريب وتعميمه على المجتمع.
التباهي بالكراهية والجهر بها يخفي الجانب الاخر: اعتبار الحب والصفح والتساهل والمودة واللطف والانفتاح من علامات الضعف التي يحددها مرضى اجتماعياً وأخلاقياً. في الغالب تخفي هذه الكراهية المغلفة بمبادئ مزيفة فشلاً في كسر قوة وصلابة شخصية الآخر وفشل التلاعب به لذلك يوصف بصعب المراس أو لا يمكن التعايش معه الخ وغير ذلك كمخرج طوارئ وخداع الذات.
في بعض الحالات تكون الكراهية موجهة نحو خاصية واحدة في الآخر لأنه يفتقدها في نفسه. تغلف هذه الكراهية بشرعية مزيفة في ان الاخر يستحق لا لانه رفض التلاعب به وكسر شخصيته بل لانه شرير ، وهؤلاء عندهم تفسير شرير فعلا ومنحرف لكل شيء: الشخص هدف الكراهية يمتلك ثبات الأحاسيس وشرف الكلمة وقداسة الانسان وهذه مبادئ مهددة لهؤلاء وتحديات كمن ينظر في مرآة ويرى صورته البشعة.
لم أسمع يوما هنا في النرويج كلمة كراهية أبداً بل عبارات مثل” لا أرغب” لا أحب” أو” أختلف” والخ لأن الكراهية تحتاج الى مخلوق مصاب ومثقل بمشاعر صفراء مكبلة.
التجييش والتحريض الذي يحتوي على كراهية يحصل على تفاعل واسع أكبر من الكلام الناعم والعقلاني والهادئ وتتحول الكراهية الى سلعة رائجة ويدخل سوق التداول كل من حركت مشاعر الكراهية عقده النائمة وتتحول الضحية البريئة في لحظات الى هدف والكراهية الى مسرح استعراضي واسع يدخله كل مختفي في غرفة لا يعرفه جاره ولا زبال المنطقة ولا بائع النفط ويتحول الى بطل من خلال الشاشة وصاحب وجهةنظر.
الكراهية لا تبني شيئاً بل تهدم وهي ” وقود العجز” يطبخ فيها الآخرين لكنه في النهاية يحترق بتدرج وصمت .
الكراهية كما أثبت علم التشريح الحديث ـــــ وتجارب البشر ــــــــ ليست مشاعر صفراء فحسب بل” عملية جسدية كيمائية” تستهلك صاحبها قبل أن تصل الى الآخر. أن يبقى الكاره يقظاً، يعني اطلاق سلسلة من الهرمونات السامة المدمرة.
هذا النموذج دون شعور يفقد سيطرته على نفسه ويصبح أسير التفكير بالآخر وسجينه ومن يتحكم به كما أن الكاره لا ينمو ولا ينضج بل يبقى متصلباً واقفاً على باب الكراهية التي لا تنفتح لأنها باب في داخل ذات محطمة وليست في جدار. الم يقل جلال الدين الرومي:
” لماذا كل هذا الطرق من أجل فتح الباب، اذا كان الجدار بأكمله وهم؟