رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :أبطال أم قضاة؟

كثيراً ما يُطرح هذا السؤال: لماذا لا يغير الانسان قناعاته الخاطئة حتى عندما يعثر على حقائق جديدة مغايرة ومختلفة؟
لكن علم النفس وتشريح الدماغ قدم لنا الاجابة المفقودة: إن تغيير القناعات ليس مجرد تحديث بيانات بل هو صراع نفسي معقد وعندما يتبنى شخص قناعات تتحول الى جزء من هويته ومن نسيجه العقلي بل جزء من طريقة فهمه للأخلاق ومن خلاياه العضوية .
تغيير قناعات يؤدي الى عملية تغيير مسارات عصبية تتطلب جراحة تتجاوز المنطق لانها صارت جزءاً من بنية العقل وحفرت لها قواعد وخلايا وعندما يؤمن العقل بفكرة يبني لها مسارات عصبية طويلة وفي حال التغيير يتعامل الدماغ مع الحقيقة الجديدة كألم جسدي.
القناعات الراسخة ليست مجرد ملفات بل شبكة معقدة من المشاعر ومنظومة متداخلة من الأحاسيس والحفر ترفض الاعتراف بوجود” خلل” في الأفكار.
التغيير يتطلب بناء مسارات عصبية جديدة وبناء روابط جديدة وهي عملية مكلفة ومرهقة رغم انها تظهر بصورة ملل ولامبالاة لكن في الحقيقة ان الدماغ يحاول توفير الطاقة لأن الحقائق الجديدة تضع الشخص في حالة يقظة وسؤال وبحث وتأهب في حين القناعات القديمة تطمئنه كالدروب القديمة لذلك تكون الطقوس المكررة مهدئة للنفس لأنها في منطقة العقل التي لا تحتاج الى تفكير .
الايقاع الرتيب يساعد على الاستقرار، وثبات الايقاع يساعد على الطمأنينة الزائفة: الطقس المهدئ هو المرساة والشراع في حين السؤال والشك والبحث هو العاصفة. السؤال والبحث عن حقائق يخرج الانسان الآلي في العقل الذي يتولى القيادة التلقائية كطيار آلي ويدخله في ضجيج العمل والكشف والتفكيك المرهق.
في حالات كثيرة القناعات الخاطئة تربط الانسان بجماعة وتبديلها يعني فقدان رابطة الانتماء لذلك يختار البقاء مع الجماعة على أن ينفصل عنها ويُعزل. الانتماء المستقر أهم من الحقيقة المقلقة.
لكن الأصعب عندما يكتشف الانسان حقيقة مغايرة فينشأ نوع من الألم الداخلي بين ما عرفه سابقاً وتجذر فيه وصار قناعة صلبة وبين ما يعرفه اليوم لذلك يقوم العقل بإختراع حيل التفافية وتأويل الحقيقة الجديدة إما على انها غير صحيحة أو تحتاج الى فحص للعودة الى منطقة الراحة قبل الاكتشاف.
الهروب من حقيقة جديدة لأنها تخرج الانسان من منطقة الهدوء الى منطقة السؤال الثقيل في الوقت الذي يبحث الشخص عن الاستقرار لا عن الدقة والموضوعية والأمانة لأن الحقيقة الجديدة تتطلب اعادة هيكلة ما نعرفه من جديد وهذا مرهق.
هذا الخداع الذاتي يظهر بصور مختلفة منها الانكار ومنها التبرير ومنها الحيل الالتفافية لحماية الذات لا حماية الحقيقة.
قد نلتقي بأشخاص يرفضون تغيير قناعات راسخة فلا تعتقد أنك في مواجهة أشخاص مبادئ بل تواجه مصدات نفسية وجدران عزل بين الشخص وبين الحقيقة..
لو وضعت أمامه أطناناً من الحقائق، سيضع أمامك أطناناً من الأكاذيب والتبريرات لكي يحمي نفسه من عدم المعرفة دون أن يشعر بالجهل لأن إدعاء المعرفة أخطر أنواع الجهل المركب المتغطرس بل هو نوع فريد من الشر.
هذا الصنف لا يحتاج الى المعرفة والحقيقة والثقافة ولا المعنى حتى لو تظاهر بذلك لكنه يحتاج الى إثبات وجوده ولو على شكل خاطئ وهذه خيانة للذات قبل الآخر.
تبديل القناعات ليست عملية سهلة بل ولادة ذاتية تتطلب شجاعة الاعتراف بالخطأ وشجاعة مواجهة الألم الجديد الناتج عن معرفة جديدة وشجاعة قبول الحقائق الجديدة.
القناعات القديمة ليست معادلات رياضية بل عبارة عن احتمالات وقصص غير مكتملة ومروية بطرق رغبية تهمل التفاصيل وتركز على العناوين الكبيرة وقد لا تكون صحيحة بالمرة بل مرويات شفوية تتغير من شخص الى آخر. الحقيقة في التفاصيل المنسية وفي الظلال الخفية وفي ما لم يرو.
هناك نسخة قديمة في داخل كل واحد منا تقاوم أي تغيير حتى في قضايا صغيرة وليس في مواقف عامة وهذه النسخة لها تقاليدها وعاداتها وطرق تحليلها ومصفاتها والتغلب عليها يحتاج الى” إنقلاب” على شروط السجن الذاتي.
من المؤسف ان هذا الانقلاب غير ممكن للكثيرين لأنه يحتاج الى ثقافة ومعايير ومعرفة جديدة مختلفة وبيئة صحية لان السمك لا يسبح في الرمل.
عندما قال برتراند راسل: “لست مستعداً للموت من أجل أفكاري لأنها قد لا تكون صحيحة” وضع الأفكار في حقل الاحتمالات لا في حقل المُلكية . عدم اليقين يدفع للبحث عن اليقين.
فكرة” الثبات المبدئي” مصدر كثير من الأخطاء وفخ معرفي وخاصة عندما يتم الخلط بين الأفكار المتغيرة وبين المثل العليا الثابتة نسبيا كالصدق والنبل والوضوح والتضحية.
عندما يتم ربط الأفكار بالشرف، تلك هي اللحظة التي يتوقف فيها العقل، لأن الشرف الحقيقي في تغير الأفكار على ضوء حقائق جديدة. عندما نضع الأفكار في موضع الشرف يصبح التغيير مسألة جبن أو هزيمة وحتى عاراً. المعرفة الجديدة السوية نوع من الشرف الذي نختزله دائماً في مكان محدد. الوضوح شرف والصدق شرف والثقافة والخلق والابداع والتضامن والضمير الحي شرف وعلى العكس من ذلك الجهل والنفاق والشر والكذب هو انتهاك للشرف.
إن أسوأ ما يمكن أن تعيشه هو أن ترى أبرياءً وأصدقاء أعزاء يموتون من أجل أفكار ثبت انها خاطئة لكن تم رفعها الى مستوى الشرف والمبادئ.
من الأفضل أن يعيش الانسان وحيداً مقصياً مع حقائق جديدة مضيئة، على أن يموت” شريفاً” على خطأ. ماذا لو عاد الشهداء اليوم؟
لو عادوا، لن يكونوا أبطالاً بل قضاةً، عندما يكتشفون أن التضحية بلا ثمن حقيقي ، وأسوأ من ذلك تحوّل القضية الى مشروع استثمار في سوق المصالح وتحويل الجنازات وذكريات الشهداء الى منصات للخطاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى