سمير زين العابدين يكتب :الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران: عندما تتحول القوة إلى مأزق

منذ اللحظة الأولى، لم تتعامل إيران مع الحرب بوصفها مواجهة تقليدية تُحسم بضربات سريعة، بل صاغت استراتيجيتها على نحو مختلف: خلق حالة استنزاف مركّب تدفع الخصوم—وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ودول الخليج—إلى السعي بأنفسهم لوقف إطلاق النار، هربًا من كلفة بشرية وعسكرية واقتصادية متصاعدة.
اعتمدت طهران على معادلة واضحة: امتصاص الضربات الجوية لأطول مدى ممكن، مقابل توجيه ضربات دقيقة ومؤثرة عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. لم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل نتاج إدراك عميق لطبيعة التوازن العسكري؛ فالتفوق الجوي الأمريكي لا يُواجه بالمثل، بل يُفرّغ من مضمونه عبر الانتشار، والتمويه، وتعدد الأهداف.
ساعدها في ذلك عاملان حاسمان:
أولًا، الجغرافيا الواسعة والمتنوعة التي تجعل من استهدافها الكامل مهمة شبه مستحيلة، وثانيًا، التحضير المسبق عبر نقل المعدات إلى مواقع تبادلية وإنشاء بنى هيكلية تستنزف الذخائر وساعات الطيران دون تحقيق نتائج حاسمة. يضاف إلى ذلك ورقة مضيق هرمز، التي تبقى تهديدًا كامنًا لأي تصعيد مفتوح.
لكن الأهم لم يكن فقط في القدرة على الصمود، بل في كيفية توظيف الهجوم ذاته سياسيًا. فقد استخدمت إيران صواريخها ليس فقط لإحداث خسائر، بل لصناعة أزمة داخل معسكر الخصوم. ومع كل ضربة، كانت تُنقل المعركة من الميدان إلى الداخل الأمريكي والإسرائيلي والخليجي.
في الولايات المتحدة، بدا المشهد مرتبكًا. فالإدارة، بقيادة دونالد ترامب، وجدت نفسها عاجزة عن تسويق أهداف سياسية واضحة للحرب. ومع تصاعد التكاليف وارتداداتها الاقتصادية—خصوصًا على معدلات التضخم—بدأت الشروخ الداخلية تتسع. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، يتحول هذا العبء العسكري إلى عبء سياسي مباشر، يهدد بخسائر انتخابية ويعزز من موقف المعارضين للحرب.
أما في إسرائيل، فالمأزق أكثر وضوحًا. فبالنسبة لـ بنيامين نتنياهو، لم تحقق الحرب أيًا من أهدافها المعلنة: لا إسقاط النظام الإيراني، ولا إنهاء برنامجه النووي. وفي المقابل، تتراكم الخسائر البشرية والمادية، وتتآكل الثقة الشعبية. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية، تبدو هذه الحرب أقرب إلى نهاية مسيرته السياسية منها إلى إنجاز يُضاف إليها.
وعلى مستوى دول الخليج، كشفت الحرب حقيقة كانت تُهمس بها النخب وتدركها الشعوب: أن المظلة الأمنية الأمريكية، رغم تكلفتها الباهظة، لم توفر الحماية المتخيلة. بل إن الأحداث عززت القناعة بأن هذا الوجود يخدم بالأساس استقرار الأنظمة، لا أمن الأوطان.
في المحصلة، يتشكل مشهد معكوس تمامًا لما خُطط له. فبدلًا من فرض الإرادة الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، أصبحت كلفة الحرب هي العامل الضاغط على الجميع. ومع تصاعد الخسائر وتفاقم الأعباء الاقتصادية، يتحول وقف إطلاق النار من خيار تكتيكي إلى ضرورة استراتيجية، ليس لإيران، بل لخصومها.
هكذا، تنتهي هذه الجولة دون تحقيق الأهداف الكبرى التي رُفعت في بدايتها، لتكشف مرة أخرى أن التفوق العسكري، حين يُستخدم دون رؤية سياسية قابلة للتحقق، قد يتحول من أداة حسم إلى بوابة مأزق.