
اليمن – وصاب العالي
في ذُرا “وصاب العالي”، حيثُ تُعانقُ الجبالُ السَّماء، لا تبدو الحجارةُ مجردَ صخورٍ صمَّاء، بل هي صفحاتٌ مَطويةٌ من سِفر التاريخ العريق. هنا، في “عزلة المنارة”، نَحَتَ الآباءُ والأجدادُ ملاحمَ بقائهم فوق الصَّخر، وأورثونا أقواساً حجريةً (عُقوداً) تقفُ اليومَ شامخةً؛ شاهدَ عيانٍ على عبقريةِ إنسانٍ لم يعرف المستحيل، وطوَّع الطَّبيعة القاسية لتغدو وطناً يسكنُه الجمال.
إنَّ المتأمل في تلك الهندسةِ المعمارية الفريدة، يُدركُ أنَّ كلَّ حجرٍ رُصَّ بدقةٍ متناهية لم يكن الغرضُ منه مجرد البناء، بل كان إعلاناً صريحاً عن الهُوية والجذور. هذه الأقواسُ التي تحتضنُ المداخلَ والبيوت، ليست مجردَ زينةٍ معمارية، بل هي “بواباتٌ عبر الزمن” تربطنا بماضٍ كان فيه “التكاتفُ المجتمعي” هو المحرك الأساسي لإعمار هذه القمم الشاهقة.
لكن، وخلفَ هذا الجمالِ التاريخي المهيب، يبرزُ واقعٌ مريرٌ يسرده غُبارُ الطرقات الوعرة؛ تلك المسالكُ الضيقة التي يقطعها أطفالُنا وشيوخُنا يومياً، مُثقلين بأعباء الحياة وقطراتِ الماء الشحيحة، سواء على ظهور الدَّواب أو فوق أكتافهم المتعبة. إنَّ المشهدَ في وصاب اليوم ليس مجرد “لوحة تراثية” للمشاهدة والفرجة، بل هو صرخةٌ صامتة تنبعثُ من بين ثنايا الجبال؛ رسالةٌ تدعو بوضوحٍ للحفاظ على هذا الإرث العظيم، وتوفيرِ سُبل العيش الكريم لمن اختاروا البقاء حُرَّاساً لهذه القمم.
إنَّ توثيقنا لهذه المعالم، ورصدنا لتلك المعاناةِ اليومية، ليس ترفاً أدبياً، بل هو واجبٌ أخلاقيٌ ووطني تجاه أرضِنا وإنسانِنا. فكلُّ بئرٍ حُفرت في الصَّخر هي حكايةُ صبر، وكلُّ طريقٍ وعرٍ يسلكُه عابرٌ هو “جسرُ عبورٍ” نَمُدُّه نحو مستقبلٍ نأمل أن يكونَ أكثر إنصافاً وإشراقاً لهذه القِلاع المنسيَّة.
ستبقى “وصاب” -بجبالها، وأهلها، وحجارتها- منارةً لا تنطفئ في ذاكرة الأجيال، وسيبقى حبرُنا مِداداً لقصص الصمود التي تستحقُّ أن تُروى للعالم أجمع.