
في كتابه” حدس اللحظة” يقول الفيلسوف غاستون باشلار إن الخيبة فعل إرتقاء، أي انها ضرورة لكن نفهم النظر الى الخيبة ليس كفشل بل كتجربة وبلا مشاعر الخيبة، لن تعرف أنك في مستوى من الارتقاء لأن عكس ذلك كنت لا تشعر بالخيبة لأنك مازلت تعيش تلك اللحظة الميتة.
كل لحظة ولادة جديدة والانسان وقع في خطأ شنيع عندما صدق واقتنع انه مجموعة خيباته وهذا الاعتقاد نتيجة خطأ أكثر فداحة في ان الزمن سلسلة مستمرة وليست لحظات منفصلة وتدفق وومضات. لكن الاعتقاد بجريان الزمن المستمر نتيجة الرابط الخاطئ. لا شيء غير الحاضر.
الذكريات الأليمة لا تنتمي لنا، الآن، بل للانسان الذي كناه في لحظة من الزمن ولم يعد موجوداً لكنه في الذاكرة كجثة.” “تلك الخيبة كانت ضرورية لكي ينكسر المنطق القديم ويولد منطق جديد وأكثر نضجاً” يقول غاستون باشلار.
في عبارة ملفتة للفيلسوف غاستون باشلار تقول:
” إذا ما تحررنا من ماضي الأخطاء، فإننا نلقى الحقيقة في جو من الندم الفكري، والواقع أننا نعرف ضد معرفة سابقة”.
أي أننا نعثر على الحقيقة في ظروف جديدة مختلفة. قراءة الماضي بوعي الحاضر وتراكم تفاصيل ضائعة للاحداث أو الأشخاص بدأت تتكتشف.
الندم هو التأسف على ما فات أو الشعور بالخطأ أو كان يجب للأحداث أن تمشي في طرق أخرى لكن قراءة الحدث القديم على ضوء حقائق ومعرفة
ومشاعر وتجارب جديدة ضد ما كنا نعرفه هو النظر الى الماضي بوعي وظروف الحاضر و”وقوع” في الندم.
لماذا الندم؟ هو المساحة الفارغة بين الأنا القديمة والجديدة ، وجلد الثانية بسبب أخطاء الأولى التي قد تكون أخطاء الظروف ومشاعر الخيبة دليل حيوية الضمير والعافية النفسية ومن لا يشعر بذلك ليس سوياً طبياً لأن الندم يرتبط بالضمير الحي.
هو الوقوع في فخ التفكير الآن في أننا كان يجب أن نتصرف على نحو مختلف لكن هذا غير ممكن في ذلك الوقت لأن القرار كان نتاج تلك الظروف والطاقة والوعي وتشابك الأحداث وهذه لم تعد موجودة لذلك تنظر الى الندم من خلال وعي مختلف وظروف مختلفة.
لكن هذا الشعور بالندم هو ليست حالة محبطة بل حالة نمو وولادة وتغير بل يعدها باشلار لحظة شاعرية ، أي لحظة خلق، عندما تحول الندم الى خيال حار ومشاعر دافئة ويشعرك الندم ان بوصلتك الاخلاقية سليمة لان الذي لا يندم يعاني من عطب وتشوه معرفي وأخلاقي وبنية نفسية مصابة لا علاج لها بشكل مطلق لأنها ليست مرضاً نفسيا يمكن علاجه بل إنها إعوجاج بنيوي في الذات الطبيعية والشخصية مصابة بالكامل كعمود معوج لعمارة.
كنا نعتقد ان الندم هو شعور بالألم الأخلاقي فقط لكن غاستون باشلار ـــــــــــــ الذي يعتبر أهم فيلسوف في كل العصور ــــــــــــــ قدم لنا اطروحة باهرة مختلفة في ان الندم نوع من الادراك النظيف والتفاتة باهرة للخلف وبما أن الزمن ليس نهراً يجري في اتجاه واحد بل هو لحظات منفصلة، فإن الاستغراق في الندم يعني العودة للاقامة في جثتك الميتة ومحاولة فاشلة لتعديل لحظة لم تعد موجودة إلا في وعيك.
لكن هناك النوع الآخر من الندم ليس على ما حدث بل على ما لم يحدث. أو الشعور بالفشل على تجربة لم نخضها خوفاً أو جهلاً لكن هذا الندم كما في الماضي على فعل لا وجود له الآن.
يمكن أن يكون الندم سجناً اذا لم نتحرر من الماضي ، أو القطيعة معه، ويمكن أن يكون أفقاً ومساحة لحياة جديدة وتأمل في شعرية التفاصيل بعد أن كشف لنا الندم الثغرات في وعينا القديم :” لأن الروح التي تنظر للأمام هي التي تخلق” يقول باشلار، في حين الروح التي تعيش في الماضي تشبه مدمن مشيع جنازات.
الاقامة في الندم يعني العيش في ثلاجة موتى وفي زمن ميت ولا وجود للزمن المتصل وهو اختراع فلاسفة، بل الزمن ذرات، ومضات، لحظات منفصلة، وما يجعلنا نشعر بالزمن المستمر هو ربطنا التعسفي تلك اللحظات في ذاكرتنا وهذا عكس حقيقة الزمن.
الماضي تلاشى والمستقبل لم يأت واللحظة الراهنة هي الحاضر الوحيد. حكاية الزمن المتدفق أسطورة. الزمن الخطي وهم والروح تعيش سلسلة لحظات منفصلة ويحدث الخلل عندما يتم ربط لحظات منفصلة مع بعضها من منطق متوارث للشعور اننا نعيش في زمن واحد مستمر.
بين كل لحظة وأخرى، يقول باشلار، هناك فراغ، وهذا الفراغ هو الذي يسمح بالتغيير ولو لم يكن موجوداً لما تطور الانسان. ان الحد الفاصل بين لحظة وأخرى هو فراغ او عدم أو موت لذلك الانسان في موت مستمر وولادة مستمرة لكن ما يجعله ميتاً في الحياة هو تصوراته وأفكاره الخاطئة.
الابتكار يحدث في ذلك الفراغ بين لحظتين وهذا الادراك هو ما نطلق عليه شعرية اللحظة، الألق، التوهج، الضوء الباهر، الومضة، الدهشة. الزمن المستمر بناء تخيلي ذهني. هذا يتطلب القطيعة المعرفية مع الماضي وهي لا تعني الانفصال عنه بل التصفية من الشوائب سواء الماضي الخاص او التاريخ العام.
هل الندم دائماً بسبب الأخطاء؟ وماذا يفعل الانسان إذا وجد نفسه في” مناخ الخطأ”؟ في القوانين الحديثة هناك تساهل في” الخطأ الانساني” والتركيز على “مناخ الخطأ”.
ماذا يفعل انسان غافل لو تعرضت حياته فجأة للهتك والاستباحة والتهديد تحت ظروف فوق الاحتمال؟
قد لا يكون الندم بسبب الأخطاء، بل غياب جو الوضوح والتداخل في الصور
والاحلام والاوهام.
في ضوء تأمل الماضي في مناخ مريح، في جو من التفتح والحرية والصفاء،
نكتشف أن الامور في الماضي لا يجب أن تكون جرت كما حدث،
وكان يمكن أن تحدث بصورة مختلفة،
وهنا نقع في الندم بعد أن تحررنا من أخطاء الماضي وهو قراءة الماضي على ضوء معرفة الحاضر،
ومن المحتمل أن يقود الندم الى أسوأ من خطأ الماضي وفي حالات متطرفة الى جروح نفسية عميقة عندما يتحول الندم الى جلد الذات.
في كل تجربة هناك تفاصيل هائلة لا يعرفها غير أصحابها لكن الناس تحكم على العناوين الكبيرة دون وعي الظروف التي مر بها وهي تفاصيل هائلة متشابكة، والانسان وحده مخول بالرد عليها.
كيف تطلب من شخص دخل الى منجم للفحم بقميص أبيض ويخرج ناصع البياض بلا بقع؟ أو شخص اشتبك مع ظروف وحشية ويخرج بلا جروح أو خدوش نفسية أو جسدية؟.
لقد رأيت أشرف وأنزه وأثقف الناس من جيلي كيف دمرت حياتهم بسبب انحيازات وكراهيات وذهنية الوصم دون معرفة حقيقية ولو عاش هؤلاء في مجتمعات عادلة ومنصفة وحرة ومفتوحة لصاروا نجوماً خالدة. هؤلاء الذين إنطفأوا في الظلام وبعضهم مات وحيداً في غرفة معتمة هم الذين اعطوا لحياتنا معنى لأن النبل يخلد الموتى وتتحول الخيبة هنا الى نص مفتوح في الخيال.
الندم على الفشل والخيبة معناه ان الانسان يراه بالمنطق الخاطئ القديم.
التحرر من الندم هو التحول نحو شعرية الروح، عندما ننظر الى الماضي لا كخيبات وهزائم بل” كخزان صور” من الجمال والطفولة والخيال.
بهذه الطريقة يتحول الانسان من مشروع ندم ثابت لزمن ميت الى مشروع مستمر بعد كسر جليد زمن متجمد ليتدفق النور والبهاء والتألق الداخلي ويصبح الزمن الجديد أداة تحرير لا سجن وتحويل الخيبة الى لحظة خلاقة عن طريق الخيال والفعل والعبور و التحرر من ثقل الماضي.