رؤي ومقالات

إبراهيم نوار يكتب :الإرهاق العسكري يصيب قدرات أمريكا وإسرائيل في الحرب على إيران

في الأسبوع الرابع للعدوان الثنائي الإسرائيلي – الأمريكي على إيران سجلت الحرب نقطة انقلاب مفاجئة أظهرت بوضوح تزايد قدرة إيران على الصمود والرد، وتراجع قدرات الدفاعات الجوية الإسرائيلية بطبقاتها وأسلحتها المتنوعة، من القبة الحديدية إلى منظومة آرو المتقدمة، في التصدي الكامل للهجمات الانتقامية بواسطة الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وسجلت ليلة 21/22 من الشهر الحالي على وجه الخصوص إختراق أعداد أكبر من الأسلحة الإيرانية أجواء إسرائيل في مناطق شديدة الحساسية مثل مركز المفاعل النووي في ديمونة ومدينة عرّاد القريبة، إلى جانب تدمير ما يقرب من خُمس مصفاة حيفا، مصفاة النفط الرئيسية في إسرائيل.
الحرب التي اعتقدت الدولتان المعتديتان أنها يمكن إنهاءها في أسبوعين دخلت أسبوعها الرابع، وبلغت أشد حالات التصعيد حتى الآن. ومن المفارقات الواضحة أن التصعيد من الجانب الإيراني قابله على الجانب الآخر تباطؤ في الرد، وانشغال أكبر بالتعامل مع آثار وتداعيات الهجمات الإيرانية، خصوصا مع زيادة أعداد المصابين حيث علت أصوات صافرات الإنذار وتسارعت حركة سيارات الإسعاف لإخلاء الجرحى. الأكثر من ذلك أن قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي إتخذت قرارا عملياتيا بعدم اعتراض الصواريخ التي تحمل قنابل عنقودية، بدعوى أن خطر تلك القنابل محدود نظرا لأن وزن الرأس الواحد قد يكون في حدود كيلوغرام واحد. هذا المبرر ليس حقيقيا لأن أعدادا كبيرة من المصابين نتجت إصاباتهم عن انفجار قنابل عنقودية. كذلك فإن تأثير القنابل العنقودية يمتد معنويا إلى التأثير السلبي على الروح المعنوية للسكان، خصوصا مع قرب الاحتفالات بعيد الفصح اليهودي.
وكنا قد رصدنا في الأسبوع الماضي ثلاثة ملامح رئيسية للحرب، أولا سقوط أهم الأهداف المعلنة لها مثل تغيير النظام والاستسلام العسكري، و ثانيا بدء ظهور أعراض الإرهاق العسكري على القوات الإسرائيلية والأمريكية المشاركة في العدوان، وثالثا انتشار الأضرار الخارجية للحرب وتداعياتها خصوصا مع أزمة المرور الآمن لناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز. ورغم بقاء ميزان القوى العسكري في مصلحة القوى المعتدية، فإن بعض القرارات العملياتية الرئيسية ينطوي على تناقضات بائنة، تشير إلى تخبط القيادات العسكرية، الأمر الذي يعكس عدم وجود استراتيجية لحرب قد تطول، وأن تلك الحرب قد خرجت عن نطاق السيطرة. وقد شهد الأسبوع الحالي نقطة انقلاب رئيسية انتقلت فيها إيران لتكون القوة التي تمسك بعجلة القيادة، ما أجبر تل أبيب وواشنطن على اتخاذ قرارات هي في جوهرها مجرد ردود أفعال للتحول العملياتي في مصلحة إيران، منها الحشد الجديد لشن هجوم بري على إيران كان الرئيس الأمريكي قد استبعده من قبل. ومنها توسيع بنك الأهداف الإسرائيلي خارج نطاق الضربات العسكرية.
ومن مظاهر الإرهاق العسكري على المسرح الأمريكي سحب درة تاج البحرية الأمريكية حاملة الطائرات جيرالد فورد، الأكبر والأقوى في العالم، من الخدمة بعد أن أصابتها نيران إيرانية في 18 من الشهر الحالي. فورد ترقد الآن في محطة للإصلاح في جزيرة كريت اليونانية، وقد تبقى خارج الخدمة لمدة تزيد على العام، ما يعني تراجع القوة الأمريكية في مسرح العمليات في الخليج والبحر الأحمر. ويعمل على ظهر الحاملة أكثر من 5000 بحار، وأكثر من 75 طائرة عسكرية، بما في ذلك طائرات مقاتلة مثل إف-18 سوبر هورنت. كما تحمل رادارا متطورا يُسهم في مراقبة الحركة الجوية والملاحة. وتتضمن المجموعة القتالية المرافقة لها مجموعة متميزة مثل الطراد الصاروخي الموجه نورماندي، إلى جانب عدد من المدمرات الصاروخية الموجهة التي تتمتع بقدرات قتالية مضادة للغواصات والطائرات والصواريخ. ولاستعواض قدرات جيرالد فورد صدر الأمر بتوجه حاملة الطائرات ابراهام لينكولن ومجموعتها القتالية إلى المنطقة. وربما يكون خروج جيرالد فورد من الخدمة مؤقتا درسا استراتيجيا يقلل في المستقبل أهمية دور حاملات الطائرات الضخمة في الحروب، حيث أصبحت هدفا سهلا للمسيرات البحرية والجوية وعبئا على القوات المقاتلة وليس العكس. المظهر الثاني من مظاهر الإرهاق العسكري الأمريكي هو تفاقم تأثير الضربة التي تعرضت لها طائرات التزود بالوقود بعد تدمير 7 طائرات من 10 كانت مخصصة لدعم تزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود في الجو خلال عملياتها في الأجواء الإيرانية. وتلعب طائرات إمدادات الوقود دورا شديد الحساسية في الحرب حيث تزيد مدى المقاتلات والقاذفات ما يضاعف قدرتها على توجيه ضربات إلى العمق الإيراني. وقد خصصت الولايات المتحدة لهذه المهمة حوالي 160 طائرة تمثل أكثر من ثلاثة أرباع طائرات التزود بالوقود لدى القوات الجوية الأمريكية في كل أنحاء العالم، تم توزيعها في قواعد ومطارات مختلفة داخل نطاق عمليات القيادة العسكرية الوسطى والقيادة العسكرية الأوروبية. و تتضمن مظاهر الإرهاق العسكري نقص بعض أنواع الذخائر، خصوصا لدى القطع البحرية، بسبب القيود التقنية على إعادة تزويدها بالذحيرة، حيث تحتاج للعودة إلى قواعدها. وعلى الجانب الإسرائيلي من الملاحظ انخفاض وتراجع فاعلية المضادات الجوية للصواريخ والطائرات المسيرة، ما أدى إلى قرار رئيس الأركان بتقليل أعداد الصواريخ الاعتراضية التي يتم إطلاقها على الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، بما في ذلك الصواريخ التي تحمل قنابل عنقودية والتركيز فقط على اعتراض الأسلحة التي تستهدف مناطق حيوية والصواريخ الباليستية ذات القدرات التدميرية الأكبر. هذا القرار لا يفسر فشل اسرائيل في اعتراض الصواريخ التي استهدفت ديمونة وعرّاد في أوائل الأسبوع الحالي. كما أنه لا يفسر عدم الكفاءة في اعتراض صواريخ حزب الله التي استهدفت جنوب لبنان في الأسبوع الرابع من الحرب.
و لا يعني الإرهاق العسكري تغييرا في ميزان القوى الرئيسي على مسرح العمليات، وإنما يشير إلى ظهور أعراض تعبر عن تراجع فاعلية الأداء العملياتي، مثل انخفاض عدد الطلعات الجوية هجوميا، وانخفاض عدد الصواريخ الاعتراضية والمضادات الجوية، والبطء في الرد على العمليات التي يشنها الخصم. كما يتضمن الإرهاق العسكري التركيز على ضرب أهداف اقتصادية ومدنية، و انخفاض الروح المعنوية للعسكريين والمدنيين بسبب تراجع الفاعلية وزيادة الأعباء. كذلك فإن مظاهر الإرهاق العسكري تتضمن تراجع التأييد السياسي للحرب، وانتشار حالة من الانقسام داخل القيادة السياسية / العسكرية بشأن القرارت و الإجراءات العملياتية. في إسرائيل والولايات المتحدة تطفو على السطح انتقادات قوية للقيادتين السياسية والعسكرية بسبب غياب استراتيجية واضحة للحرب وتداعياتها. ومن المتوقع في حال استمرار مظاهر الإرهاق العسكري أن تتفاقم الخلافات السياسية والعسكرية بشأن مسار الحرب، وبروز ردود فعل غاضبة لدى الرأي العام مع زيادة أعداد الجرحى والقتلي وطول مدة الحرب من دون تحقيق أهدافها. وقد برزت هذه الخلافات على السطح ليس بين القوى المعارضة والقوى الحاكمة فقط، بل في العلاقات بين الحليفين اللذين اتفقا على شن الحرب، نتنياهو وترامب، حيث سارع نتنياهو إلى نفي علاقته بالهجوم الأمريكي على منشأة تخصيب اليورانيوم في نطانز، بعد أيام قليلة من انتقاد ترامب للهجوم الإسرائيلي على منشآت النفط الإيرانية. الإرهاق السياسي يعكس نفسه أيضا في فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في إقامة تحالف دولي ضد إيران. هذا الفشل يعني فقدان الحرب لواحد من أهم أعمدة القوة وهو التحالفات السياسية والعسكرية التي تؤمن تأييدا واسعا للحرب، وتوزيعا أكبر للأعباء بين الدول المتحالفة.
على الصعيد الاقتصادي يتجسد الإرهاق العسكري في خروج الحرب عن نطاق السيطرة فيما يتعلق بالتمويل، فقد طلبت وزارة الحرب الأمريكية زيادة ميزانية الدفاع للعام الحالي بنحو 200 مليار دولار لتغطية احتياجات الاستمرار في الحرب. يأتي هذا الطلب بينما يتراكم الدين الفيدرالي الذي يقترب من 40 تريليون دولار من دون وجود أي إشارة لإمكان وضعه داخل نطاق السيطرة. الخطورة هنا تتجاوز تمويل الحرب لأنها تصل إلى تهديد الاقتصاد بأكمله بخروج معدل التضخم عن نطاق السيطرة واحتمال عودة أسعار الفائدة للارتفاع، خصوصا بعد قرار الفيدرالي الأخير تثبيت أسعار الفائدة وليس خفضها. وتبدو الصورة أيضا قاتمة فيما يتعلق بتمويل الحرب في إسرائيل حيث يزيد بمعدلات سريعة اقتراض الحكومة من البنك المركزي. ومع ذلك فإن التهديد الاقتصادي الأكبر يتمثل في استدعاء ما يقرب من 450 ألف من جنود الاحتياط إلى الخدمة العسكرية، للمشاركة في الهجوم البري على لبنان. هذا العدد من جنود الاحتياط يعادل أكثر من 12 في المئة من القوة العاملة الإسرائيلية، ما يترك أثرا سلبيا واسع الانتشار في كل قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي، بما فيها الصناعات العسكرية والتكنولوجية. ومع التطورات التي تظهر ميل إسرائيل وأمريكا إلى توسيع نطاق الحرب وتحويلها إلى حرب بربرية تدميرية، فإن مظاهر الإرهاق العسكري سوف تتسع، ما يتسبب في نتائج عكسية للأهداف المطلوب تحقيقها في الحرب، ويحولها إلى أقذر جريمة حرب في تاريخ البشرية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى