
طارق ، صوت عميق ، يتردد كصدى في كهف روحي
المسرح مظلم تماماً إلا من شمعة واحدة تتراقص أمامه
يجلس طارق منحنياً قليلاً ، يداه على ركبتيه
ينظر إلى الفراغ كأنه يخاطب حبيبة غير مرئية
وفي الوقت نفسه يحاور نفسه بصوت أعمق
أكثر همساً ، كأن هناك شخصين داخل جسد واحد :
صوته الخارجي يتحدث إليها
والصوت الداخلي الذي يناقش الصراع مع نفسه
طارق :
( بصوت هادئ ، موجه مباشرة إلى أنثى غير مرئية )
تعشقينني وعينيك لم تراني
كيف يحدث هذا ؟ كيف يولد الحب في غياب الجسد؟
أنا لست صورة ولست صوتاً ولست حتى ذكرى
أنا مجرد إمكان ، فكرة
ظل يمشي خلفك في ممرات الروح
وأنتِ لا تعرفين أنكِ تتبعينه
(يصمت ، ثم يميل رأسه قليلاً
ويبدأ الحوار الداخلي بصوت أعمق أبطأ
كأنه يأتي من أعماق الصدر صوت طارق الداخلي ) :
ولكن هل أنا حقاً موجود؟
أم أنني أنا أيضاً أخدع نفسي؟
ربما أنا الوهم الذي صنعته أنتِ لتملئي الفراغ الذي يؤلمك
ربما أنا لست سوى انعكاس خوفكِ من الوحدة
أو رغبتكِ في أن يكون هناك أحد يفهمكِ
دون أن يحتاج إلى كلام
طارق ( يرفع صوته قليلاً ، يمد يده نحو الفراغ موجهاً الكلام لها )
أنا ذلك الذي عشقته قبل أن تولد عيناكِ لتراه
قبل أن تتعلمي اللغة
كنت أنا الكلمة الأولى التي لم تنطقيها بعد
في أعماقكِ ، حيث لا يصل الضوء
هناك مكان صغير ، مظلم، دافئ ، هو أنا
أنتِ بنيته دون أن تدري
كل مرة أحببتِ فيها شيئاً جميلاً : غروب شمس ، أغنية قديمة
ضحكة طفل ، رائحة المطر على التراب الندي
كنت تضيفين إلي حجراً آخر
بنيتِ معبداً لي داخلكِ
ثم نسيتِ اسم الإله الذي يسكنه
الصوت الداخلي ( بألم خفي ، يتسارع قليلاً ) :
لكن ماذا لو كان هذا المعبد فارغاً ؟
ماذا لو أنكِ حين ترينه يوماً
ستجدين فيه فقط الظلال التي رسمتها أنتِ بنفسكِ؟
أنا خائف ، خائف أن أكون مجرد خيالكِ المثالي
وأن ينهار كل شيء حين يلامس الواقع الجسد
أنا أعشقكِ أيضاً ، لكن عشقي يحترق في صمت
لأنني أدرك أن الرؤية قد تقتلني
هل أنا مستعد لأن أموت كفكرة لأصبح إنساناً ناقصاً ؟
طارق ( يضحك ضحكة خفيفة ساخرة
صوته الخارجي موجهاً إليها ) :
يا لها من مفارقة جميلة!
هناك من يتحدث عن الكهف
عن الظلال التي نراها ونظنها الحقيقة
أما أنا ، فأنا الظل الذي يعشق الإنسان الذي يجلس أمام النار
وهو لا يعلم أن ظله يبكي من شدة الحب
الصوت الداخلي (بدهشة وتساؤل عميق ) :
أو ربما أنا النار نفسها؟ ربما أنتِ الظل
وأنا الذي يحرق نفسه كي يضيء لكِ الطريق
أنا أرى كل جروحكِ التي تخفينها
كل أسئلتكِ التي لا تجرئين على طرحها على أحد
أنا أعرفكِ أكثر مما تعرفين نفسكِ
لأنني ولدت من أعماقكِ
لكن هل هذا يعني أنني أنتِ؟
هل أنا مجرد جزء منكِ لم يجرؤ على الخروج إلى النور؟
طارق ( بصوت أكثر حميمية ، موجهاً إليها ) :
تعشقينني وعيناكِ لم تراني ، لأنكِ لا تستطيعين
الرؤية تقتل العشق أحياناً
الجسد يخور . الجلد يتجعد ، العيون تتعب ، الصوت يهرم
أما أنا ، فأنا النسخة المثالية التي رسمتها روحكِ
أنا فكرة الجمال المطلق التي لا يمكن لأي جسد أن يحتويها
الصوت الداخلي (بهمس مؤلم ، يرتجف قليلاً ) :
لكني أريد أن أُرى ، أريد أن تلامس يدكِ يدي
حتى لو كانت يدي باردة أو مرتجفة
أريد أن تسمعي صوتي الحقيقي
حتى لو كان متعباً أو مكسوراً
أخشى أن أبقى مثالياً إلى الأبد
لأن المثالي لا يُحتضن
المثالي لا يبكي على كتف أحد ، المثالي وحيد
هل ستحبينني حين أصبح ناقصاً؟
هل ستعشقين الإنسان الذي يحمل عيوباً
أم ستبحثين عني مرة أخرى داخل شخص آخر؟
طارق (يرفع صوته قليلاً ، يميل إلى الأمام موجهاً الكلام لها ) :
أنتِ تعشقينني ، حتى ولو لم تراني عيناكِ
الصوت الداخلي (بقوة مفاجئة ، ثم يهدأ ) :
وإذا توقفتِ عن عشقي؟
إذا مللتِ من البحث عني في كل غروب وكل أغنية وكل صمت؟
هل سأموت أنا ؟ أم سأتحول إلى ذكرى مؤلمة تظل تؤرقك؟
أنا موجود لأنكِ تعشقينني
لكن هل أنتِ موجودة لأنني أعشقك؟
طارق ( بصوت أعمق ، أكثر دفئاً ، موجهاً إليها ) :
أحياناً أتساءل : لو رأيتني يوماً ، ماذا سيحدث؟
هل سأنهار كتمثال من رمال أمام موجة الواقع؟
هل ستكتشفين أنني مجرد بشر ، ناقص ، خائف
يحمل جروحاً قديمة وأحلاماً متآكلة؟
أم أن عينيك ستكملان ما بدأته روحك
وتريان في ما لم أره في نفسي؟
الصوت الداخلي (بهدوء شبه صامت ، كأنه يبكي داخلياً ) :
وأنا أيضاً أسأل : لو رأيتني ، هل ستحبينني
بعد أن تكتشفين أنني لست الكمال الذي رسمته؟
هل ستظلين تعشقينني حين أصبح مرئياً
أم أن الحب سينتهي مع انتهاء الغموض؟
أنا خائف من النور بقدر ما أنا مشتاق إليه
طارق (يمد ذراعيه قليلاً ) :
الحب الحقيقي ليس في الرؤية
العين تخدع . أما القلب
فهو يرى ما وراء الستار ، هو يعشق اللامرئي
لأن اللامرئي هو الأبدي
الصوت الداخلي (بسلام حزين ) :
لكن الأبدي لا يُلامس ، والإنسان يحتاج إلى اللمس
طارق (يخفض صوته إلى همس عميق
ينظر مباشرة إلى الفراغ كأنه ينظر إليها ) :
تعشقينني وعيناكِ لم تراني !
وأنا أراكِ دائماً ، حتى لو كنت أخاف أن أُرى
( الشمعة تُطفأ ببطء . صوت تنفس خارجي هادئ
وتنفس داخلي مضطرب ، ثم يعم الصمت التام )
ستار