كتاب وشعراء

سِفْرُ غزّة 8: مُسعفٌ ودعاء…بقلم حسن عبد السلام أبو دية

وتبقى غزّة جرحنا الأكبر ،، ولن نملّ من الحديث عنها وعن المحرقة التي تعرّضت لها ..

مهداة
إلى كل العاملين في القطاع الصحيّ في غزّة

غمس يده في الوضوء،
مسح الدّم عن المولود بكفِّ الصّلاة،
لكنّ القذيفة سبقت “آمين”،
وراحت لضلوع الطّفل.

هناك، في زاوية الألم حيث تُفتحُ الجروح على مصراعيها، حيث يسيل الدّم صامتاً ولا يجد ملجأً سوى دمعةٍ مكتومة، يقف مُسعفٌ لا يحمل شاشاً ولا مطهّراً، يحمل في يديه دعاءً مُخبّأ في شفتيه، في نبضات قلبه، في صمت روحه. لا ماء أو دواء ليعقّم الجرح، يتمتم فيعقمه بدعاءٍ نسجته أمه حين كانت تحنو عليه وهو طفل، حين كانت ترسل إلى السّماء عبارات من نور لتُضيء طريقه، لتُشفي جرحه قبل أن يُرى، لتُطهّر دموعه قبل أن تنزل.
في ذلك الجرح، حيث تنسكب العذابات، ويغيب كلُّ شيء، لا يحتاج المُسعف سوى تلك الكلمات التي تنساب كنسمة تُطفئ نار الألم، كأنّها ماء يُسكب على فوهة بركان مدمّر. يغدو الدّعاء هنا فعلاً روحيّاً، طقوسَ حياةٍ خفيّة، غسولاً للرّوح والجسد، وعهداً على أنّه مهما قسا الجرح، فهناك قوّة في حنايا الدّعاء تستطيع أن تجعل الدّم يهدأ، الألم ينسحب، والوجع يلين قليلاً ليتنفّس.
كان مُسعفاً لا يُبالي بسواد العالم، ولا بحجم الكارثة التي تكمن تحت جلده، لا يُهمّه كم ثُقِب قلبه أو تكسّرت أضلاعه، لأنّه يحمل بين أنامله تلك الكلمات التي تلتقي فيها الأرواح قبل الأجساد، يزرع في الجرح بذر أمل لم يزرعه أيّ مضاد حيويّ، يعقّم بالحبّ الذي لا يزول، بالسّكينة التي تكتنف دعاء الأم، بكلمةٍ تتردّد في أعماق القلب حتّى في أقسى اللحظات.
في اللّيل الطّويل الذي لا يعرف الرّاحة، حين تعانق السّماء الغيوم السّوداء، وتغسل الدّموع وجوه الأطفال، تهتز الأرض تحت وقع القصف، وتصرخ المستشفيات بألم لا يسمعه سوى الله. سيارات الإسعاف تمضي على طرقاتٍ مختنقة بالرّكام، لكنّها لا تصل، لأنّ الطّريق نفسه أصبح هدفاً، لأنّ القذائف تحاصِر الحياة، وتغتالها قبل أن تشرق شمس الغد.
يا الله، ما أوجع أن تضيق بنا السُبل!!
في تلك اللّحظات، كان هناك مُسعفٌ يعقّم الجرح بدعاء أمه، يحاول أن يشفي قلوب المرضى المحاصرين، وهم يتلوّون تحت وطأة الألم وشُحّ الأدوية، تحت وطأة الليل الذي لم ينم أحدٌ فيه، ليلة تلو ليلة، حيث تختلط الأصوات بين بكاء وصرخات وهدير القنابل. لا أدوية تكفي، لا أملَ يكتمل، سوى أنفاس تُحتَبس خلف أقنعة الغبار، ويدٍ تدعو في صمت، تنثر السّلام وسط فوضى الموت.
وكانت هناك روحُ شهيدٍ تحاول أن ترفرف فوق المستشفى، كغطاءٍ من نورٍ يحجبها عن عين القذيفة، يحاصرها بحضوره، بأصوات الأجراس التي تقرع في قلبه، يكتب فيها قصيدة الفداء، قصيدة الوجع الذي لا يُمحى، قصيدة الإنسان الذي لا يستسلم، حتّى حين يُقتل.
مدينةٌ تمشي على عكاز، ومستشفىً يفتقد إلى دواء، وروحٌ تحرس بين الأنقاض، مشاهد لا تُنسى، صورُ محرقة لم تنتهِ، حيث الموت يُحاول أن يخطف الحياة، لكن هناك دعاءٌ متواصلٌ، هناك حكاية لا تنتهي، وهناك مُسعفٌ يحمل في يديه دواءً لا يراه أحد سوى السّماء، دواءً من نور أمه، قوّة تسري في العروق كنبع لا يجفّ.
في غزّة، حيث تختلط الأرض بالدّم والسّماء بالصّمت، تتردد أصداء دعاء الأم، يتسلّل الهمس إلى كلّ زاوية، يرافق أنين الجرحى، ويرفعهم فوق الألم، في لحظةٍ من زمنٍ توقّف، حيث الحياة ترفض أن تنطفئ مهما احترقت الأجساد.
في تلك الليالي التي تبدو بلا نهاية، حين يتعاقب القصف كأمواج عاتية تغمر السّماء، تنهار الجدران كما تتساقط الأحلام، وتغرق الأنفاس في ضجيج الموت، كان المُسعف يعقّم الجرح بدعاء أمه، دعاءٌ ينساب كنسمة باردة وسط لهيب الحريق، يقطر في روح الجرحى عذوبةً من النّقاء، يلفّهم بحنانٍ لم يغب رغم الظّلام.
كانت روحه تسافر بين الأحشاء، تتلاقى مع أرواح الشّهداء الذين صاروا فراشاتٍ من نور، تحلّق فوق الحطام، تحاول أن تحجب المستشفى عن عين القذيفة، كدرعٍ من هالة لا تُرى، كصمتٍ مقدس يتحدّى رصاص الغدر وصليل الانكسار.
لكن القصف لم يهدأ، والليل لم يرحم، وأصوات الأطفال المخنوقة تتماهى مع صدى انفجارات لا تتوقّف، وفي وسط كلّ هذا الدّمار، يتشبّث المُسعف بدعاء أمه، كغصن الزّيتون الأخير، كشمعة مضيئة في عتمةٍ لا تعرف سوى السّواد.
تتهاوى الأحلام، وتتكسّر الأجساد، لكن لا شيء يقتل الأمل الذي ينبعث من قلب المدينة، من دفء أمهاتٍ يحتضنَّ حكايات الصّمود، من يديّ مُسعفٍ يعقّم الجرح بدعاء لا يشيخ، يدعو بصمتٍ يكسر جدران الصّمت نفسه، ويزرع الحياة حيث تستحقُّ أن تكون.
تمضي الليالي كحكاية لا تنتهي، والمدينة على عكازها تمشي بثقل الأحزان، تمشي وسط أنقاضها وأطيافها، حيث الدّخان يُشكّل سُحُباً من نسيانٍ كاذب، والرّيح تهمس بأسماء أولئك الذين رحلوا دون وداع، لكنّ دعاء الأم في قلب المُسعف صار عيناً لا تغمض، نهراً لا يجف، ينبض بين ركام الأحلام المهدّمة، ويُحيي ما تبقى من روحٍ محتضرة.
في لحظةٍ ما، حين يعتصر الألم أوتار القلب، وتنفجر القذائف كأنّها محاولات لطمس الذّاكرة، ترتفع أصوات الدّعاء في جوف الظّلام، تصدح كأنّها سرّ الحياة الذي يرفض أن يُدفن، وتُزهر ألوان الوجود من وسط الرّماد، كأنّ المدينة نفسها تتنفّس عبر تلك الكلمات التي تلامس السّماء، وترسم على جدران الألم لوحات من صبرٍ لا يعرف الحدود.
هناك، حيث كان الألم بلا دواء، والليل بلا نوم، والجرح بلا ضماد، كان المُسعف يمد يديه بدعاء أمه، ينثره على الجراح كأنّها بذور حياةٍ جديدة، كأنّه يصنع من الحزن نجمةً تتوهّج في سماء لا تعرف الاستسلام، يُعانق الوجع برقّة صامتة، ويُعلن أنّ الشّفاء يأتي من قوى خفيّة تنبعث من عُمق الرّوح، من حبٍّ يحيط بالبشر رغم كلّ الخراب.
وفي قلب هذا الخراب الذي لا يعرف الهدوء، حيث تسكن الرّوح بين أنقاض المستشفى، تحفر في صدر اللّيل أنيناً لا يُرى، ولا يُسمع سوى همس دعاء الأمّ الذي يتسلّل كنسمة تُرمّم الجراح، وتُعيد الحياة إلى من فقدوا الأمل. تنفلت تلك الكلمات من شفاه المُسعف، تتحوّل إلى شعاعٍ من نور يعانق الأجساد المنهكة، يحمل معها سرّ النّجاة في زمنٍ لا يعرف الرّحمة.
تغيب الأدوية، وتتهاوى الآمال، لكن هناك صوتٌ لا يلين، صوت يُعانق الحزن بصمت، يصغي إليه كلّ من يرنو إلى السّماء بحثاً عن براءة تُعيد إلى الأطفال ضحكاتهم المسروقة، وإلى الأمهات قبلاتٍ تمحو غصّة الفقد، وصلاةً تخفّف وطأة اللّيل الطّويل. في ذلك الصّوت تكمن المعجزة التي تحتاج إلى دعاءٍ صادقٍ خافتٍ.
والمدينة التي تمشي على عكازها تستمدّ قوّتها من هذه اللّحظات، من تلك الأيدي التي لا تفارق الجرح، من تلك الأنفاس التي ترفض الاستسلام، من دعاء الأم الذي يعقّم كلّ ألم، ويغسل بقايا الألم بأملٍ لا يموت.
هناك، بين ظلال الغربة والدّمار، يُولد الإنسان من جديد، يُعيد كتابة حياته بيدٍ تهفو إلى السّماء، وقلبٍ لا يعرف إلّا الحياة.
هناك، حيث تنكسر ظلال الألم على جدران الحكايات، يُعقّم مسعفٌ الجرحَ بدعاء أمه، يدعو بصمتٍ، يزرع من صمت اللّيل أملاً، ومن صرخة الصّمت نوراً. في ذلك الفضاء المحاصر، حيث تتشابك أصوات الألم والحنين، يصبح الدّعاء طوق نجاة، وصوتاً يُسمع فوق هدير القنابل، يعانق الغيم ويُسقِط دموع السّماء على الأرض المجروحة.
لكنّ الحقيقة الوحيدة التي لا تُنسى، والتي لا تُقهر، أنّ دعاء الأمّ، رغم كلّ قوّته، لا يُغطي جرح الوطن كاملاً، ولا يُعيد بيته الذي تهدّم، ولا يُحيي من ماتوا وهم على باب المشفى، ولا يُعيد أمان الطّفولة المسروقة، ولا يوقف دموع الأمهات التي لا تنضب.
في النّهاية، تبقى المدينة تمشي على عكّاز، تمشي رغم أنف الموت، تمشي رغم الجرح المفتوح، تمشي بحُزنٍ عميقٍ كأنّها تقول للعالم:
أنتم تظنون أنّكم تقتلونا عندما تهدمون بيوتنا وتُسكتون أصواتنا، ولكنكم لا تعرفون أن روحنا التي تعقمها دعوات أمهاتنا أقوى من كلّ القنابل، أقوى من كلّ الخراب، وأنّنا سنمشي رغماً عنكم، سنكتب بدمائنا، سنحكي قصتنا حتى يسمعها العالم كلّه، وسنُصلي أن يبقى هذا الجرح مفتوحاً، ليُذّكر الجميع أنّ غزّة كانت، ولا تزال، قلباً نابضاً للإنسانية، وهي الشاهد والشهيد على الخذلان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى